الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٤وقد أوضح الحسن البصري في ذلك قولا فصل فيه الأمر على وجهين: كأن قائلا قال له: أمؤمن أنت؟
فقال: إن كنت تريد هل أنا مؤمن من الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فنحن منهم، وإن كنت تريد هل أنا من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ إلى آخره، فوالله ما نعرف ذلك لأنفسنا بعد.
فأخبر أن المؤمن قد يقال على حكم الظاهر، وبذلك تجري الأحكام به، وقد يقال لصغار الكمال، ولا ينبغي لأهل التقى أن يشهدوا بذلك لأنفسهم ويزكوها.
وقد روى من قال: إني مؤمن حقا، فهو كافر حقا، أو قال: -لعله- إني منافق، فهو منافق حقا.
ومن قال: إني في الجنة فهو في النار، فنهى عن ذكر كل هذا، لأنه من تزكية النفوس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
على أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحارثة وهو غلام حدث السن: «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: مؤمنا حقا، قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارز، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، وكأني أسمع عواء أهل النار.
فقال له رسول الله: عرفت فالزم، أوقال أبصرت فالزم» مؤمن نور الله الإيمان في قلبه.