بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٨

وأخبرني أبو الحواري رحمه الله أنه سمع الصلت بن خميس رحمه الله كتابا من لسانه إلى رجل من أهل بلده من رؤوس بهلا ممن شاهر فسقه في البلد على ما يقال في ذلك الزمان بأنه كان يعين الظالمين على ظلم العباد، فكتب إليه أبو المؤثر رحمه الله، حياك الله، وحفظك الله، فقال أبو الحواري: قلت لأبي المؤثر حين ذلك: أليس حياك الله ولاية؟ فأقبل عليّ أبو المؤثر مغضبا فقال: قد قيل إن للرحم تقية، وللجبار تقية.

ورأيت في الأمور كلها أحسنها أوسطها، وأقبحها أشططها، ولا تكن على الناس فظا لكن صاحب نصيحة ووعظ، ولا تكن عليهم فظا بالكلمة، مبسطا ما تكون به فيهم لله مسخطا، ولكن هجرك لأهل المعصية من الفقراء كهجرك لأهل المعصية من الأمراء، واجعل التقية مما يسعك، لك جنة تتوقى بها عن نفسك أمور الفتنة، وكن عارفا بزمانك، حافظا للسانك، فإن من لم يعرف زمانه ويحفظ لسانه كاد أن يكون هالكا مفتونا.

وقلت لي، فيمن يقول: عظم الله أجرك؟ فهذا حسن، ويحتمل ذلك لغير الوالي عند معاني الدنيا دون الآخرة، فإن من تعظيم أجر الفاسق في الدنيا أن يسر في حياته سرور الغرور، وقد قال الله عز وجل: * (*وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً … *) *(1).

وإني لأمقت الرجل يخرج من بيته غير مجبور ولا مقهور فيأتي إلى الناس في جنائزهم، فيظهر إليهم في تعزيتهم على مصيبتهم عند وجوب حق صلتهم الجفا من أمره فلو لم يصلهم أجمل به.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل عليه داخل وهو في منزل بعض أزواجه، فلما دخل عليه ألان له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول، فلما انصرف قال رسول الله صلى

(1) سورة البقرة، جزء من الآية 83.

٦٨٨ / ٤٬٣٨٩