بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧٥

يبصر العدل، فعندي أن له الخيار في ذلك، يختار ما شاء ويحكم به، لأنه خارج كله في القول عنده، وليس شيء أعدل من شيء.

وأما إذا لم يخرج على هذا، فقد قيل إن عليه أن يختار الرأي الواحد من الآراء التي يرى أنه الأصوب وإلى الحق أقرب، فيحكم به في هذا الحكم وفيما يستقبل، حتى يبن له غيره من الآراء أصوب وإلى الحق أقرب، ثم يرجع إليه ويدع هذا، فلا يزال على هذا ما ابتلي بالحكم وامتحن به، ولا يحكم بالاختيارات على سبيل اتباع الهوى ولا إهمال النظر، فيحكم له بهذا القول ولغيره بهذا، وهو يرى أن الأول أصوب أو غيرهما، وليس هذا سبيل الرأي، وإذا فعل الحاكم هذا فقد خرج من سبيل الرأي.

وأما إذا كان ذلك عنده عدلا وهو ممن يبصر عدل ذلك، فذلك جائز ويحكم بما شاء وكيف شاء، لأن ذلك كله عدل.

وإن لم يكن الحاكم يبصر العدل وتمييز ذلك بنظره وكان بحضرته من العلماء من يبصر عدل ذلك وتمييزه، فعليه مشاورة أهل العلم ممن يبصر ذلك، فإن ذلك من النظر والرأي، لأنه وجد السبيل على الدلالة على حكم الرأي وسبيل الرأي، فيضع الرأي في موضعه ويستدل بغيره عليه، كما أنه لو لم يعلم فيه شيئاً من القول كان عليه الاستدلال بمن قدر عليه من أهل الرأي، وإن كان بحضرته لم يؤخر ذلك، وإن لم يمكنه بحضرته شاور العلماء من أهل مصره ممن قدر عليه، وإن لم يكن من أهل مصره فحيث كان يقدر عليه، ولا يضيع ما يلزمه، ولا يقدم على شيء من ذلك بغير علم، وكذلك هذه الأقاويل التي قد صحت مختلفة لا يعرف أقربها إلى العدل، وبحضرته من ظاهر عليه وله معرفة ذلك ويرجو فيه تمييز ذلك فيما يراه هو عدلا، فعليه مشاورته في الأقاويل المختلفة كما عليه مشاورته فيما لم يأت فيه القول، لأن الأقاويل المختلفة يمكن

٧٥ / ٤٬٣٨٩