بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٦٢

والأصول في الدين ما جاء حكمه في فن من فنون العلم من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع المسلمين الذين جعلهم الله حجة في الدين من الأولين والآخرين، وما أشبه ذلك أو شيئا منه وما خرج على معناه ووقع موقعه فهذا من أصول الدين الذي لا يجوز(1) خلافها بعلم ولا يجهل برأي ولا بدين، فإذا كان العالم عالما بما جاء وثبت في ذلك الفن من فنون العلم من هذه الأبواب والأصول التي وصفها لك كان حجة فيه على من هو دونه من العامة والعلماء وكان على العامة من لم ينزل منزلته في ذلك الفن السمع والطاعة والانقياد فيما قاله وقام فيه من الحجة وكان له أن يقول في ذلك الفن من فنون العلم برأيه ولم يكن لغيره ممن هو دونه ولم ينزل منزلته في علم ذلك الفن أن يضاده في ذلك ولا أن يلوي عنقه عما قال فيه وكان هو الحجة على من سواه إلا من نزل بمنزلته غيره من العلماء في ذلك الفن من فنون العلم وأصول الدين، فإذا نزل بمنزلته غيره من العلماء في ذلك الفن على هذه الصفة كان حجة مثله وثبت قوله بالرأي في ذلك الفن فيما لم يخالف فيه أصول الدين التي قد سبقت في ذلك الفن من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين وأشباه ذلك، وكان قولهما جميعا إذا لم يصح خلاف منهما في الأصول جائزا، ولا يجوز لهما أن يخطئ بعضهم بعضا في اجتهاد رأيهما فيما قد نزلا فيه بمنزلة الحجة، فإن اجتمعا في شيء من ذلك كانا حجة في الإجماع ما لم يقع اجتماعهما على مختلف فيه وكذلك الواحد من العلماء بالفن من فنون العلم والأصل من أصول الدين حجة إذا لم يخالفه غيره ممن هو مثله في العلم في ذلك الفن من فنون العلم والأصل من أصول الدين، وكان قوله في ذلك وحده لاحق بالإجماع ما لم يقع قوله في ذلك مخالفة بالحق في الأصول أو بعض ما يختلف فيه ويجوز فيه الاختلاف.

فمن هنالك كان الفقيه الواحد حجة في جميع ما يخرج مخرج الفتيا من جميع دين الله وأن خالقه من خالفه ممن هو ضد له في الدين وناطق بخلافه في الدين أو ممن لم ينزل بمنزلته من ضعفاء المسلمين،

(1) في نسخة "لا يجاوز".

٨٣٢ / ٤٬٣٨٩