جامع ابن بركة (ج 1) - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩وصفه، فإِن تلف البعير في يده لم يكن ضامناً إذ لم يكن تلفه منه ولم يكن معه حذاؤه وسقاؤه، والذي لأجله منع النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ من أخذه. فإن قال قائل: لِمَ أجزت أخذه والنبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ قال: (لا يؤوي الضالة إلاَّ ضال)(1)، وقال عليه السلام: (ضالة المؤمن حرق النار)(2)، والظاهر يمنع من أخذه. قيل له: إنَّما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نهي عنه، وأما من تقرَّب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه في حال كان فيها لو ترك لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي ـ صلى اللّه عليه وسلّم ـ عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في فعله لقول الله تعالى: ﴿?وتعاونوا على البر والتقوى﴾. ومعلوم أن من البر والتقوى أخذ البعير المعلوم في ظاهر العادة.
وأنَّه إن لم يؤخذ تلف فأخذه وحفظه لربه احتساباً ممن فعله، ولا يكون المحسن مسيئاً ولا معلوماً، وإنَّما يكون داخلاً في النهي من جنس بعير لغيره على نفسه واقتطعه عن ربه متعدِّياً في أخذه، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قال: (من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرِّفها)، فهذا يدل على أنَّه إِذا عرَّفها فحبسها على ربّها كان مأجوراً. وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنَّه قال: كانت الإِبل أيام عمر بن الخطاب مؤتلفة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان