القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١١١وتأتي جارة وهي فاء رب، ولكن النحاة ضعوا كونها جارة وإنما الذي جر هو رُبَّ، حتى حكى ابن عصفور وابن مالك إجماع النحويين على أن الجر في ذلك برب المحذوفة لا بالفاء.
وتأتي للاستئناف نحو قوله تعالى: ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (1)، وهي عند التحقيق فاء العطف.
وتأتي بمعنى حتى كقوله تعالى: ﴿ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ﴾ (2). والتحقيق أنها فاء العطف.
وتأتي بمعنى إلى، ذكره بعض الكوفيين ومثلوا له بقول القائل: هو أحسن الناس ما بين قرن فقدم، أي إلى قدمٍ وقد ضُعِّف ذلك.
الفاء عند الأصوليين- أما عند الأصوليين فأكثر ما تأتي أولاً للترتيب مع التعقيب، وممن ذهب إلى هذا المذهب ابن النجار في شرح الكوكب المنير(3) لأن الأصل في الفاء أن تكون للترتيب مع التعقيب، واستدل على ذلك بإجماع أهل اللغة. قال الإمام الرازي وإنما قلنا إنها للتعقيب لا جماع أهل اللغة(4) .
(قلت) نقل الإجماع غير مسلّم، فقد نفى المرادي في الجنى الداني نقل الإجماع عن أهل اللغة حيث قال:" وقد اتضح بما ذكرته من هذه الأقوال أن ما نقله بعضهم من الإجماع على أن الفاء للتعقيب غير صحيح(5).
وتأتي عندهم للجزاء، وقد حدث خلاف بين الأصوليين في أن فاء الجزاء هل تفيد التعقيب أو لاً، فذهب أبو اسحاق الإسفراييني إلى القول بأنها تفيد التعقيب، أما الباجي فقال إنها لا تفيد التعقيب.
ثم اختلفوا في الفاء إذا وقعت في جواب الأمر والنهي هل تفيد التعقيب فذهب الرازي إلى أنها لا تفيد التعقيب(6) وأما المعتزلة فقالوا إنها تفيد التعقيب واستدلوا عليه بقوله تعالى :" كن فيكون"(7) .
(1) - الأنبياء، آية 108.
(2) - الأنعام، آية 139.
(3) - شرح الكوكب 1/34.
(4) - المرجع السابق.
(5) - الجنى الداني/ 63.
(6) - شرح الكوكب المنير 1/ 234.
(7) - مريم، آية 35.