القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٤٥والفقهاء قد نشطوا كثيرا في التقعيد بهذه الأقيسة، حتى أن جزءا مهمًّا من القواعد التي دونوها هو من قبيل القواعد التي بنيت على قياس الاستدلال، وهو يكشف عن مدى عمق وسعة العقلية الفقهية الإسلامية، وما وصلت إليه من نضج واكتمال في إطار تعميق البحث الفقهي وتأصيله.
والقواعد المبنية على قياس الاستدلال معناه أن الفقهاء قد يتوصلون إلى أحكام، لكن عن طريق إجراء قياس العكس، أو قياس الدلالة، أو غيرهما من صور قياس الاستدلال.
ومن القواعد المبنية على ذلك:
إذا نذر المكلف صيام نصف يوم لزمه صيام يوم كله، لأن صيام اليوم لا يتجزأ.
إذا قال لزوجته أنت طالق نصف تطليقة لزمه الطلاق، لأن الطلاق لا يتجزأ.
وقاعدة سقوط المقصد يستلزم سقوط الوسيلة(1).
هذه القاعدة واسعة تشمل ما لا يحصى من فروع الشريعة، لأن أحكام الشرع متعلقة بأفعال المكلفين.
ومن فروع هذه القاعدة أن السعي إلى الجمعة واجب لأنه وسيلة إلى الواجب وهو الجمعة، لكن المسافر والمريض تسقط عنهما الجمعة، فلزم سقوط السعي إليها.
ومن فروعها كذلك، أن الكذب حرام لإفضائه إلى مفاسد جسيمة، لكن إذا كان فيه إنقاذ نفس من الهلاك، فإن المقصد الأول يسقط اعتباره، ويسقط به اعتبار الوسيلة، لأنها تنقلب إلى وسيلة تفضي إلى مصلحة(2).
رابعا: القواعد الفقهية التي يعمل فيها الترجيح:
الترجيح هو تغليب أحد الدليلين وتقويته، والعمل به دون الآخر، وهو كالآتي:
الترجيح لغة: التمكين والتغليب والتفضيل، يقال: رجحت الشيء إذا فضلته وقويته(3).
وفي الاصطلاح: هو تقوية أحد الدليلين المتعارضين على الآخر للعمل به(4).
والترجيح سببه التعارض بين دليلين.
حقيقة التعارض:
(1) – نظرية التقعيد، ص183.
(2) – نظرية التقعيد، ص183.
(3) – مختار الصحاح، 254.
(4) – نظرية التقعيد، ص572.