القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

التعارض في اللغة تفاعل من العُرض -بضم العين- وهو الناحية والجهة، كأن الكلام والتعارض يقف بعضه في عرض بعض، فيمنعه من النفاذ إلى حيث وُجّه(1).

وفي الاصطلاح: هو اقتضاء أحد الدليلين خلاف ما يقتضيه الآخر(2).

وبين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي علاقة واضحة، فتعارض الدليلين يقتضي اختلافهما في الظاهر، ولا يكون الآخر كذلك إلا إذا اعترض أحدهما طريق الآخر بحيث لا يتجهان وجهة واحدة، وإضافة التعارض الأول إنما هي من باب المجاز، لأن الأولى في حد ذاتها غير متعارضة، وإنما ينشأ التعارض بينهما في عقل الفقيه الناطق بها.

والقول بتعارض الأدلة ذاتها يلزم منه القول بتناقض الشريعة واختلافها، وهذا يفضي إلى القول بتعدد مصادرها، وهو محال، لأن مصدرها واحد هو الله تعالى.

وقد اتفق الفقهاء على أنها لا اختلاف فيها ولا تناقض ولا تعارض، وإذا وجد شيء من ذلك في نصوصها، فإنما منشؤه يرجع إلى فهم الفقهاء وإدراك المجتهدين لها، فهم في ذلك متفاوتون تفاوت مداركهم وقدراتهم العقلية.

أسباب التعارض:

سبق وأن ذكرنا أنه لا تعارض في الشريعة، وإن ظهر لأحد فأسبابه ترجع إلى أمور ثلاثة:

الأول: ما يرجع إلى جهة النقل، وذلك أن الدليلين المتعارضين قد يكون تعارضهما بسبب أن في أحدهما اختلالا في سنده ورواته مما يجعله أضعف، ولا يدرك ذلك الفقيه المجتهد، فيعتقد أنهما متعارضان كذلك.

الثاني: ما يرجع إلى جهة الدلالة،

وذلك أن النص الشرعي قد يكون قطعي الدلالة، وهذا لا مجال فيه للتعارض، وقد يكون ظني الدلالة وهذا مجال واسع لاختلاف الفقهاء من جهة، ولنشوء تعارض الأدلة في عقولهم واهتمامهم من جهة ثانية.

الثالث: ما يرجع إلى النسخ:

وذلك أن الدليلين المتعارضين في الظاهر قد يكون تعارضهما بسبب أن أحدهما ناسخ للآخر، لأنه متأخر عنه ورودا، فيكون من لم يعلم ذلك من الفقهاء معتقدا أنهما متعارضان.

(1) – نظرية التقعيد، ص572.

(2) – نظرية التقعيد، ص572.

١٤٦ / ٣٤٤