القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٤٧وقد جمع ابن القيم هذه الأسباب الثلاثة في تعقيبه على حديثين متعارضين في الظاهر فقال: "ونحن نقول لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض؛ فإما أن يكون أحد الحديثين ليس كلامه - صلى الله عليه وسلم -، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا، فالثقة يغلط. أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في كلامه - صلى الله عليه وسلم -. أما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، وليس أحدهما بناسخ للآخر، فهذا لا يوجد أصلا"(1).
ذلك ما كان فيما يخص التعارض، وبهذا يعود بنا الحديث إلى الترجيح.
فالترجيح كما يكون رجوعا إليه في الأحكام الجزئية، فإن الفقهاء يهرعون إليه في الأحكام الكلية أيضا، وهذا هو المراد بكونه مصدرا من مصادر القواعد الفقهية.
ولتوضيح ذلك نسوق السؤال الذي سئل به عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فأجاب: "أحلتهما آية وحرمتهما آية"(2). ويقصد بذلك قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ (3). ويريد بالآية التي حرمتهما قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ (4).
فقد تعارض حكمان هما الحل والحرمة، -بتعارض دليليهما- في جزئية واحدة، وهي الجمع بين الأختين بملك اليمين(5). والفقهاء يرجحون هنا آية الحرمة على آية الحل، لأنها الأحوط، ولأن الصحابة والسلف الصالح كانوا على عدم الجمع.
والسؤال الذي قد يطرح نفسه فيما يخص الترجيح هو: أن الترجيح ليس دليلا شرعيا للأحكام الجزئية، ولا للأحكام الكلية، فكيف يكون مصدرا للقواعد الفقهية؟
(1) – زاد المعاد، 3/112.
(2) – الإحكام لابن حزم، 5/845.
(3) - المؤمنون، آية 6.
(4) - الأحزاب، آية 23.
(5) – المقصود بذلك الجمع بينهما للوطء.