القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩ومن أشهر تلاميذه الذي سار على نهجه واهتم بتراثه، وكان خليفته على مدرسته؛ العلامة أبو الحسن علي بن محمد البَسْيَوي، من مدينة بهلا، وغيره كثير من طلاب العلم، من أهل عمان وأهل المغرب الإسلامي، الذين وفدوا إليه ابتغاء العلم.
وأبو محمد من العلماء القلائل الذين جمعوا بين العلم والغنى، فكان ثريًّا ينفق على المتعلمين عنده، وانضم إلى ركب التعليم في مدرسته جملة من أهل عمان وأهل المغرب، وهو لا يناصر أولئك الذين يروّجون للزهد والتقشف وذم الدنيا. ففي تعليقه على حديث رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه لليهودي قال: «الله أعلم بصحة الخبر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات عن سعة، وكان الضيق قبل ذلك، وفي هذا الخبر أنه اشترى - صلى الله عليه وسلم - من اليهودي المرتهن درعه بثلاثين صاعا من طعام، فاقتاته ثلاثين يوما، وفي حبسه الطعام أكثر من يوم في منزله ما يدل على ضعف مذهب من ادعى التقشف والزهد في الدنيا، وزعم أنه لا ينبغي للمسلم أن يحبس قوت يوم إلى غد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الغاية في التقشف والزهد في الدنيا» (1).
ومما يؤسف له أن آثار العلامة أبي محمد ابن بركة قد ضاعت، ولم يبق منها إلا النزر القليل، وربما يرجع سبب ذلك إلى أن العلماء الذين جاؤوا من بعده مالوا بقوة إلى أبي سعيد الكدمي المعاصر له، وراقت لهم آراؤه، خاصة مسائل الولاية والبراءة فيما يخص الأحداث الواقعة بين موسى بن موسى وراشد بن النظر، زمان الإمام الصلت بن مالك، في القرن الثاني الهجري. وكان العلامة أبو محمد بن بركة يقف موقفا مغايرا للعلامة أبي سعيد الكدمي، حتى أن الموقفين تأسست عليهما فرقتان وصارتا مدرستين تعرف لكلا العالمين.
(1) – الجامع، لابن بركة، 2/335-336.