القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق

الجزء ١ · صفحة ٢٤٢

وقد أطلق القرآن الكريم الأحكام في بعض المواضع، وتركها للعادة والعرف كتقدير طعام المساكين في الكفارة. قال أبو محمد في ذلك: "فإن قال قائل ممن خالفنا، لِمَ أوجبتم الأكلتين وليس في الآية تكرار الطعام، والأمر إذا ورد مطلقا وجب استعماله مرة واحدة، إلا أن تقوم دلالة توجب التكرار؟ قيل له: قامت الدلالة من الكتاب والسنة، فأما من الكتاب فيقول الله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم ﴾ (1). والمعتاد من طعام الناس لأهليهم كل يوم أكلتان، لأن النادر من فعلهم إطعام أكلة وثلاث أكلات، وأما ما فعله الناس من عاداتهم من إطعام لأهليهم أكلتي (2). واستدلوا أيضا لهذه القاعدة بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن».

وقد جعل العلامة ابن بركة هذه القاعدة تخصيصا للقاعدة السابقة "اليقين لا يزول بالشك"، فإن المكلف إذا توجه إليه الحكم بيقين فإنه يرتفع بمثله من اليقين، أو بعلم يسكن إليه القلب والعادة الجارية ليقوم مقام اليقين(3).

واحتج بمثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ (4).

وقد سمّى الله ما يحكم به علما، وليس ثمة يقين، بدليل قوله "الله أعلم بإيمانهن".

واستدل على ذلك من السنة في أمر اللقطة أنها تدفع بعلامة يأتي بها المدعي لها، وليس هناك يقين(5).

ونقل الإجماع على قبول الهدية وانتقالها إلى ملك من أهديت إليه بواسطة رسول، وربما كان صبيا، فزوال ملكها من صاحبها المتيقن حصل بما يسكن إليه القلب، وجرت عليه العادة (6).

(1) - المائدة، آية 89.

(2) – التعارف، 13ـ؛ الجامع، 2/98.

(3) – التعارف، 9.

(4) - الممتحنة، آية 10.

(5) – التعارف، 14.

(6) – التعارف، 16.

٢٤٢ / ٣٤٤