القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية

القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق

الجزء ١ · صفحة ٢٧

من هذا المنظور التشريعي ومن هذا الاستقراء وضعت إحدى كبريات القواعد الفقهية الكبرى، أو أحد الأصول الفقهية البعيدة، أو إحدى كليات الشريعة الإسلامية وصيغت في جملة واحدة مركبة من ثلاث كلمات تقول: "المشقة تجلب التيسير" هكذا يحفظها ويعقلها العالم والمتعلم، الذكر والأنثى، والحر والعبد، والحاكم والمحكوم، ويطبقها في حدود المشقة -المعتبرة شرعا- وهي كل مشقة زائدة على المعتاد في تأدية ذلك الحكم الشرعي. حتى أنه يحكى عن بعض أئمة المذاهب وكأني به أبو حنيفة أنه قال: "لو شاكتني شوكة لأفطرت لها" وإن كنا نتوخى الوسطية في كل شيء فلا إفراط ولا تفريط، فلعل قول أبي حنيفة -على فقهه- لا يليق بعامة الناس. كما أنه ليس من الفقه أو الدين في شيء أن يضطر ولد في بداية تكليفه صام أول رمضان له في أطول أيام السنة صيفا، وفي منطقة من أحر المناطق الاستوائية أو قريبا منها وقد فاته السحور بغلبة النوم عليه صبحا، فواصل صومه حتى أدركه الزوال، فزاغ بصره، وتبدلت في عينيه الأرض غير الأرض والسماء، وشكا أمره إلى أمه وأشفقت لحاله -فعلا- إذ أصبح في حال غير عادية بالنسبة لجميع الصائمين، فاستفتت مفتي بلدها المرةَ الأولى، فلم يفت له بجواز الإفطار، وفي المرة الثانية وفي المرة الثالثة من نفس اليوم، وتفاقم الخطر على الطفل، وما رجعت الوالدة من عند الشيخ المفتي الرافض لرخصة الإفطار بدعوى أنه لم يبيت النية من الليل حتى وجدت كبدها -ولدها- قد أفضى إلى ربه ميتا، لفظ أنفاسه وصعدت روحه لبارئها، نتيجة الغلو في الدين وجهل الشيخ المفتي لهذا المقصد الهام، أو هذا الكلي العام، أو القاعدة الكبرى، أو الأصل البعيد للشريعة الإسلامية: "المشقة تجلب التيسير" أو ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ (1)، ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ (2).

(1) - البقرة، آية 185.

(2) - الشرح، آية 5-6.

٢٧ / ٣٤٤