القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٣٩ج. القواعد الفقهية : يحتار الفقهاءُ في التمييز بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، فيركّزون على أنّ بينهما تشابُهاً من حيث إنّ كلاً منهما قائمٌ على الاستقراء من جانب الفقهاء. لكن – بحسب هؤلاء – هناك عمومٌ وخصوص. فالقواعد الأصولية كليةٌ شاملةٌ تنطبقُ على سائر الجزئيات؛ بينما حكم القواعد الفقهية حكمٌ أغلبيٌّ ينطبقُ على معظم جزئياته. فقواعد التعليل والمآلات والمقاصد والمصالح، كليةٌ وشاملةٌ ولا تتخلَّفُ؛ في حين ترتبط القواعد الفقهية بجزئياتها ارتباطاً مباشراً ولذلك تعرضُ لها الاستثناءاتُ، وتتفاوتُ تفاؤُتاً شديداً من حيث العموم والخصوص (11).
ويوردُ الباحثون فروقاً أُخرى بين القواعد الأصولية واللغوية من جهة، والقواعد الفقهية من جهةٍ أُخرى؛ مثل الاختلاف في النشوء والظهور، والاختلاف في الوظيفة، والسبق الزمني، والموضوع، والعلاقة بالأحكام(12). والواقعُ أنّ قواعد اللسان والتعليل والغائية هي قضايا كلية نظرية تأسيسية، وهي وإن قام بعضها كالتعليل على الاستقراء في الأصل؛ لكنها آلت إلى نوع من الثبات والتجريد. وبذلك صارت مسلَّماتٍ يُحْكَمُ بها على ما دونها من قواعد متصلة بالأحكام، وضوابط متعلقة بالجزئيات تعلُّقاً تاماً. فالتعليلُ مَثَلاً هو قاعدة كلية ثابتة؛ أمّا الأقيسةُ بأنواعها وتشكُّل عللها واختلافها فهي من القواعد الفقهية. ومسألة أنَّ الأمر للوجوب قاعدةٌ كليةٌ ثابتة؛ أمّا أنواع الوجوب فتدخل مرةً أخرى في القواعد الفقهية. وكذا القولُ بأنَّ للشريعة مآلات ومقاصد هي مصالحُ العباد الضرورية؛ قاعدةٌ كليةٌ – أما بيانُ المقصد أو استنباطه في جزئيات الأحكام؛ فيدخل في باب القواعد الفقهية.