القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٤٨…تحت وطأة الصراع مع المعتزلة والفلاسفة إذن، والتنافُس مع السلطة السياسية وعليها، ساد منهج الشافعي التأصيلي والتعليلي. فصارت الأصول الشرعية أصولاً لغوية، أما ما يُعرفُ بالقواعد الأصولية فاقتصر على " اكتشاف " العِلَل، وهو العملُ الرئيسي المطلوب من الفقيه بحسب الشافعي. أمّا " مقاصدُ الشريعة " فقد جرى إهمالُها أو إيكالُ أمرِها إلى المتكلِّمين باعتبارها من مباحث العقيدة، وليس من مباحث الفقه. واضطرَّ الأحنافُ لإنقاذ مذهبهم إلى اكتساب المعرفة بالحديث، وضبط آراء جيليهم الأول والثاني بمرويات المحدِّثين. أمّا الاستحسان عندهم، والذي لا يخضعُ لضوابط الشافعي في القياس، فقد ذهبوا إلى أنه قياسٌ خفي. واحتار المالكية في " عمل أهل المدينة " وفي " المصالح المرسَلة " – وهي من موروثات ما قبل مرحلة الشافعي وأصحاب الحديث؛ فضبطوا الأصل الأول بالسنة عموماً، وجعلوا الثاني بدايةً من لواحق تحقيق المناط في مباحث العلة في القياس.
أما الذين رفضوا الإذعانَ للفقه الجديد فقد تضاءلت مذاهبهم وزالت أو تحولت إلى مدارس قلّة.
…والواقع أنّ القواعدَ الفقهية هي ثمرةٌ مُباشرةٌ غير مقصودة لأمرين قامَ بهما صاحبُ الرسالة وجِماع العلم وجيله. الأمر الأول : الفصل بين الأصول المقاصدية والفقه، والثاني بناء الأصول الشرعية بناءً شكلياً مُحْكَماً.