القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٥٠والأمرُ نفسُهُ الذي يفعلُهُ الكرخي والنَسَفي من جمع الأشباه والنظائر الجزئية تحت قاعدة، يقومُ به ابن بركة (-362هـ/972م) في " الجامع ". ونستطيع مراقبة هذه العملية الجارية من طريق الاستقراء عند ابن بركة، أفضل مما نستطيع ذلك لدى الكرخي؛ لأنّ كتاب ابن بركة " الجامع " وصلنا كاملاً (28). فقد ذكر مَثَلاً أنه استنبط قاعدة : "الضرورات تُبيحُ المحظورات " من الجزئيات التالية : أنّ للمجاهد، وكذلك المطلوب من قِبل عدوٍ يخافُهُ أن يصلي كلٌّ منهما بحسب قدرته – وأنَّ المريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال والتحول إلى جهة القبلة يصلي حسب وجهته التي هو عليها – وجواز صلاة الفريضة على ظهور الدواب عند الاضطرار – وجواز تغطية المحرم رأسه إذا اضطر إلى ذلك – وجواز الأكل من أموال الناس لمن اضطر إلى ذلك. وفعل ابن بركة الشيئَ نفسَهُ مع قواعد فقهية أُخرى من مثل : المشقة تجلب التيسير، وكل تصرفٍ صدر من غير أهله فنفاذه متوقفٌ على إجازة من له حق الإذن به، والمعصية لا تكون إلا من قاصدٍ إليها، والأموال لا تُدفع إلاّ بالبيِّنة، وإذا وقع الإذن زال المنع، وإذا كان الفرض وجب بوصفٍ سقط بزواله.. الخ (29).
ويعتذر هؤلاء المؤرّخون لمستنبطي القواعد من الجزئيات بأنّ فقهاءَ المذاهب الأوائل، باستثناء الشافعي، ما دوَّنوا الأصول الشرعية التي اعتمدوا عليها وضبطوها؛ ولذلك جاءت الأجيالُ التاليةُ لتعتمد على منهج الاستناد إلى نهج استقراء الجزئيات لوضع قواعد تمكّنُهُم من استعمالها اطّراداً في الوقائع المستجدة! ولذلك زعموا أنّ هناك طريقتين أو نهجين فقهيين : نهج الشافعي والمتكلمين، ونهج الفقهاء الآخرين. أما نهجُ الشافعي فيبدأ من الكليات إلى الجزئيات، وأما نهجُ الفقهاء الأحناف وغيرهم فيبدأُ من الجزئيات إلى الكليات(30) لافتقارهم في البداية إلى تقعيد الأصول، كما فعل الشافعي !