القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٧وذكر ابن نجيم المصري أن أبا سعيد الهَرَوي الشافعي رحل إلى أبي طاهر الدباس ونقل عنه بعض القواعد ثم تلاها على أصحابه(1)، ومنها القواعد الخمس المعتبرة أمهات القواعد ، ومباني الأحكام الشرعية النصية والاجتهادية في المذاهب المختلفة، وليس في المذهب الشافعي فقط، الذي اشتهر بإيراد هذه القواعد. وهي:
الأمور بمقاصدها.
الضرر يزال.
العادة محكَّمة.
اليقين لا يزول بالشك.
المشقة تجلب التيسير.
ويحسن بيان معنى كل قاعدة وإيضاحها ببعض الأمثلة.
أما القاعدة الأولى: وهي "الأمور بمقاصدها"، التي هي إحدى القواعد الأساسية في الفقه، فمعناها أن التصرفات الصادرة من الإنسان من قول أو فعل تختلف أحكامها الشرعية باختلاف مقصود فاعلها.
فالقتل إن كان عمدًا ففيه القصاص، وإن كان خطأ ففيه الدية.
ومن قال لغيره "خذ هذه الدراهم" فإن نوى التبرع كان هبة، وإلا كان قرضا واجب الوفاء.
ولغو اليمين لا كفارة فيه، واليمين المنعقدة المؤكدة القائمة على قصد اليمين فيها الكفارة.
ولهذه القاعدة أهمية كبيرة في الفقه، لدوران كثير من الأحكام الشرعية عليها، ولأن مصدرها الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن عمر - رضي الله عنه -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
وسبب أهميتها أنها تقرر مبدءا أساسيا في الشريعة وهو إخلاص العمل لله عز وجل، والإخلاص دليل صدق الإيمان واليقين، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء ﴾ (2).
ويتفرع عنها قاعدة مهمة في المعاملات وهي معتمدة عند جمهور الفقهاء غير الشافعية، وهي: "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني"
(1) – الأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي عليه، 1/16 وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي، 1/17.
(2) - البينة، آية 5.