الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٦الفرض الخامس مسح الرأس: وقد اتفق الناس على أنه من فروض الوضوء، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكم﴾ [المائدة:06]، واختلفوا في القدر المجزي منه، فذهب بعض أصحابنا-فيما وجدت- إلى أنّ الواجب: مسح جميعه (1)، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس وبعض أصحابه (2)، …
--------------------
واعتلوا بأنّ الباء في قوله: ﴿برُؤُوسِكمْ﴾ دخلت للتوكيد لا للتبعيض، استشهاد بقوله: ﴿وَليَطَّوَّفوا بِالبَيْتِ العَتِيق﴾ [الحج:29]؛ وذهب آخرون إلى أنّ مسح بعضه هو الفرض (3)، ووافقهم على ذلك الشافعي وأبوحنيفة (4)،
قوله دخلت للتوكيد: أي: زائدة في المفعول به، لكنّه لم يطلق لفظ الزيادة تأدّبا، ثمّ الظاهر أنّه يفرّق بين الباءين فإنّ الظاهر أنّ الثانية للتعدية، قال في "القاموس":» طاف حول الكعبة وبها «(5)، يعني -والله أعلم- ولا يقال: طفت الكعبة، فلو مثّل بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195]-مثلا- لكان أظهر؛ ومثّل صاحب» الإيضاح» –رحمه الله- زيادة الباء بقوله تعالى: ﴿تنْبُتُ بالدُّهْن﴾، في قراءة مَن ضمَّ التاء من أنبت، و جعل الباء في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، دالّة على الكلّ (6)، فليحرّر جميع ذلك، والله أعلم.
قوله ووافقهم على ذلك الشافعي وأبوحنيفة: لكن القائلون بأنّ مسح البعض كاف مختلفون، فعندنا: أقلّ ذلك ثلاث شعرات بثلاثة أصابع، وعند الشافعي: يجزي شعرة
(1) - العزابة، الديوان، كتاب الصلاة، 1/ ظهر الورقة: 14، ووجه الورقة: 15 (مخطوط).
(2) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 11.
(3) - منهم ابن جعفر الأزكوي في الجامع إذ قال:» وإذا مسح مقدّم الرأس أجزأه، وإن مسح قفاه وترك مقدّمه لم يجزه «، (1/ 360).
(4) - ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد، 1/ 11.
(5) - الفيروزابادي: باب الفاء، فصل الطاء: طاف.
(6) - عامر بن علي الشماخي، 1/ 73.