الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٩واجبٌ، ومعناه: أن تعلم أنّه لا يملكُ ضرّكَ ونفعَكَ وحياتَكَ وموتَكَ إلاّ اللهَ، ولا لَكَ رازِقٌ غيره، ولا معطٍ سِواه، ولا مانع حاشاه، فإذا استقرّ ذلك في قلبك فقد فوّضت الأمورَ التي تنجو بها وترجو إلى مالِكِها، فأُسُّ التّفويض والباعثُ عليه إنّما هو اعتقاد أنّه لا يكون من الخير ولا من الشرّ إلاّ ما أراد اللهُ كونه، فإذا كان اعتقاد العبدِ هكذا فقد استراح قلبُه من الخضوع إلاّ لمولاه - عز وجل -،
وقد قال سبحانه حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44]، وقد بالغ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - في التّصريح به والنصّ عليه بقوله لعبد الله بن مسعود: «ليقلّ همّك ما قُدِّرَ أتاك وما لم يُقدَّر لم يأتكَ»، «واعلم أنّ الخلقَ لو جهدوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللهُ - عز وجل - لكَ لم يقدِروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبهُ اللهُ - عز وجل - لك لم يقدِروا على ذلك»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِيَقلَّ همُّكَ» أمرٌ بالتّفويض، لأنّه يكون بالقلب واللّسان جميعًا وإن كان أصله من القلب، وإن نزل على العبدِ بلاءٌ أو نِعمةٌ فشكّ أنّه من اللهِ أو من غيره أو أنكر أن يكون من قِبَل اللهِ فقد هلك على كلّ حال، والله أعلم وأحكم.