قواعد الإسلام (تحقيق عبدالرحمن بكلي) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

هذا لا يبطُلُ توكّله إذا كان نظره إلى [الله] مسخِّرِ سكّان البلد، والله أعلم. والوجه الرّابع: أن يكتسب على الوجه المباح في الشّرع، يرى كسبه وبِضاعته -بالإضافة إلى قدرة الله تعالى- كما يرى القلم في يد الملَك، فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملَك بماذا يتحرّك وإلى ماذا يميل، فإذا كان هكذا فهو ببدنه مكتسبٌ وبقلبه عنه منقطع، فحال هذا أشرفُ من حال القاعدِ في بيته إذا روعِيَت فيه الشّروط، و انضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق؛ والدّليل على هذا أنّ الصّدّيق - رضي الله عنه - لمّا بويِع للخلافة أخذ الأثواب تحت حِضنه فدخل السّوق ينادي، فعوتِبَ، فقال: «لا تُشغلوني عن عِيالي فإنّي إن ضيّعتهم كنت لِما سِواهم أضيع»، ففُرض له قوتُ عياله من بيت المال،

وتجرّد حينئذ للقيام بأمور المسلمين، فيستحيل أن يُقال: لم يكن الصدّيق متوكِّلاً فمَن أولى بالتوكّل منه؟ فدلّ أنّه كان متوكّلاً لا باعتبار ترْكِ الكسب، وكذلك غيره من أولياء الله وأنبيائه، والله أعلم.

مسألة: ويجوز للعبد الاِتّكال على الله في منافع الدّنيا، من غير أن يستحقّها ولا أن يُجري ذلك على أيدي العباد، وأمّا منافع الآخرة وثوابها فلا يتّكل على الله دون أفعاله، ولا على أفعاله دون اللهِ،

وإن اتّكل على الله أن يُثيبه هو أو غيره في الآخرة بغير أفعال فقد قيل: إنّه يهلَكُ، وإن استوثق العبدُ بما في يده وظنّ أنّه لا يزول فهذا اتّكال على غير اللهِ تعالى، وأمّا إن تيقّن أنّه من عند اللهِ وهو قادِرٌ على إزالته فهو متوكّل على الله، ويُقال: الاِستيثاق بما في اليد من ضعف اليقين، والثّقة بالموجود ظنّ سوءٍ بالمعبود، وبالله التّوفيق، وقد ذكرنا طرفًا من التوكّل وشواهده في باب القدَر والله أعلم.

مسألة في التّفويض: اِعلم أنّ تفويض الأمور إلى الله تعالى فرضٌ

١٢٨ / ٦٧٣