قواعد الإسلام (تحقيق عبدالرحمن بكلي) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣١

واعلم أنّ القدر والطّلب لا يتنافيان، والتوكّل والكسب لا يتضادّان، وذلك أن تعلم أنّ ما قضى اللهُ تعالى فهو كائن لا محالة، كما أنّ ما علِم اللهُ أنّه يكون فهو كائن لا محالة؛ ومَن خالفنا في القضاء والقَدَر وافقنا في العِلم، فرُبّ أمر قدّر اللهُ وصوله إليك بعد الطّلب، فلا يصل إليك إلاّ بالطّلب، والطلب أيضًا من القدر، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطّلب فإنّهما مقدوران، فمِن هاهنا ثبت أنّهما لا يتنافيان.

وكذلك التوكّل مع الكسب، لأنّ التوكّل محلّه القلبُ والكسب محلّه الجوارح، ولا يتضادّ شيئان في محلّين، فبهذا يتحقّق العبد أنّ التّقدير من الله تعالى، وإن تعذّر شيءٌ فبتقديره، وإن اتّفق فبتيسيره، وفي الحديث: «جاء رجلٌ إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم - على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكّل؟ فقال: اِعقلها وتوكّل»، فالتوكّل على الله تعالى هو الثّقة فيما ضمنه، والقطع بكون ما يحكم به،

فمن رام أمرًا من الأمور فليس الطّريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه ويفوّض أمره إلى ربّه وينتظر ذلك الوجه الذي أراده، وقد روي أنّ النّبيء - عليه السلام - ظاهر بين درعين، واتّخذ خندقًا حول المدينة يستظهر به ويتحرّس من العدوّ، وأقام الرّماة يوم أُحد يحتفظ بهم من الكفّار، ويلبس لأمة الحرب،

واسترقى، واكتوى، وتداوى، وأمر بالمداواة، وقال: «إنّ الذي أنزل الدّاء هو الذي أنزل الدّواء»؛ وأمر اللهُ تعالى بالإيمان بقضائه، وقال لنبيئه:

٣١ / ٦٧٣