الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢﴿قُل لَّنْ يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التّوبة: 52]، وأمر عباده أن يأخذوا بالحذَر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الآية [النّساء: 74]، وقال: ﴿وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النّساء: 104]، وقال - عليه السلام -: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطّيور، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا»، فأخبر أنّها تغدو وتروح في طلب أرزاقها من غير أن يحملها لها إلى أوكارها، وإنّما ألهمها الطّلبَ بالغدوّ والرّواح. وقد روي: أنّ إبليس اللّعين قال لعيسى - عليه السلام -: يا روح الله ألست تزعم أنّه لن يصيبك إلاّ ماقدّر الله لك؟ قال: بلى يا لعين، فقال: فارم نفسك إذًا من ذروة الجبل، فإن قُدِّرت لك السّلامة تسلم، قال: يا عدوّ الله إنّ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا ربّهم. ومثل هذا كثير تركته حبًّا للاِختصار. فمن ظنّ أنّ الطلب والاِكتساب والأخذ بالحزم والاِحتذار يناقض التوكّل، فقعد في بيته وأغلق بابه عليه متوكِّلاً على ربّه بزعمه، كان عن العقل خارِجًا، وفي ظلمة الجهل والِجًا، ويُقال لهذا: ينبغي لك على قياس قولك إذا جعت وحضر الطّعام بين يديك أن لا تمدّ يدك إليه ولا تفتح فمك، وإن وُضع في فمك فلا تمضغه حتّى يقيّض اللهُ لك ملَكًا يمضغه لك، أو يحدث شبَعًا في بطنك من غير أكل ولا تناول منك، فإن تمّ على هذا كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة والزّهد، وقد قال الله تعالى لمريم عليها السّلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ