الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ} [الجمعة: 11]، ولم يأمر بالقعود. وقد قيل عن بعضهم: مَن لزِم المسجد وقبل كلَّ ما يأتيه فقد سأل النّاس إلحافًا. وهكذا جميع أعمال الطّاعات والسّيّئات لابدّ من الجِدّ والاِجتهاد في الطّاعة، والصّبر والحذَر عن المعصيّة، وبالله التّوفيق.
القسم الحادي عشر في معرفة التّوحيد والشّرك: وذلك ممّا يجب معرفته على المكلَّف أيضا، لأنّهم قالوا: لا يعرف الأشياء من لا يعرف حقائقها.
أمّا التّوحيد: فمعناه إفراد الرّبّ سبحانه عن الخلق وجميع معانيهم، وترك التّسوية بينه وبين العباد في جميع أفعالهم وصفاتهم، فحقيقة المعرفة به سبحانه: أن تعلم أنّ الأشياء لا تشبهه ولا يشبهها من جميع الجهات، في فعل، ولا اسم، ولا صفة، ولا ذات، لأنّه لو أشبه شيئًا من الأشياء ولو في أقلّ القليل لدخل عليه العجز من تلك الصّفة، فلهذا وجب على المكلَّف أن يعرف حقيقة الوحدانية لله تعالى، ويصفه بما يليق به من الصّفات، وينفي عنه شَبَهَ الأشياء من جميع الجهات، وإن اِتّفقت الأسماء [-أي كونه مشابهًا لها-] في اللّفظ فليعلم أنّ تلك المعاني مختلفة، نظير ذلك أنّ اللهَ قديم لم يزل، وعالم لا يجهل، ويُقال لبعض الخلق قديم وعالِم ولا يُقال لم يزل ولا يجهل، فيتّفق اللّفظان ويختلف المعنى، لأنّ تأويل قول القائل: الله قديم، أي من غير بدءٍ ولا أوّل لوجوده، والإنسان قديم: إنّما يعني بعدد السّنين والأوقات، وقد كان له بدء وأوّل، وكذلك قوله: فلان عالِم، إنّما أخبر عن عِلم استفاده بعد جهل، وهو مع ذلك جاهل بأكثر الأشياءفالفصل بين معاني هذه الأسماء أنّك تقول: اللهُ قديم لم يزل ولا يزال، ولا يجوز ذلك في غيره، وتقول: عالِم لا يجهل، وقدير لا يعجز، وكذلك جميع الصّفات على هذا الحال، لأنّ الله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ