الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١١المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ "، والموت لا يري جهرة، وإنما رؤيته بالمعرفة.
وقد مدح الله نفسه فقال: " لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ "، فمن زعم أن الأبصار تدركه في الآخرة، فقد زعم أن مدائح الله عز وجل تزول في الآخرة، وهذا لا يجوز على الله تعالي، وقد نفي الله عز وجل أن تدركه الأبصار، وأن يري جهرة؛ فهو سبحانه وتعالي: لا يري في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأن مدائحه لا تزول؛ فإن قال قائل: أنه لا يري في الدنيا، ويري في الآخرة فعليه إقامة الدليل.
ولا يجوز في حجة العقل: أن يري الله تبارك وتعالي جهرة بالأبصار؛ لأنه لا يخلو الناظر إليه من أن يكون يراه في مكان دون مكان، أو يراه في كل مكان؛ فإن كان يراه في مكان دون مكان فما فضل الخالق على المخلوق؟ إذا كان المخلوق في مكان دون مكان؛ والخالق كذلك؛ وهذه صفة المحدود؛ والله تعالي جل وعلا عن ذلك.
وإن كان يراه في كل مكان – فالمخلوق إذن أعظم من الخالق إذ كان هو في مكان ينال بصره من مكان في كل مكان، وأيضا فلا يخلو من أن يكون يراه حتى لا يخفي عليه منه شيء إلا ويراه – فقد أحاط به. والمحاط به ضمير، والمحيط به أكبر منه، وإن كان يخفي عليه منه شيء فالذي خفي عليه غير الذي لم يخف، وهذه صفة المحدود، والمتغاير الذي بعضه غير بعض، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا.