الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٣ما فيه النجاة، وما فيه الهلاك؛ فإذا عمل العبد بالطاعة فبعون الله تعالي وتوفيقه ومنه، وإذا عمل بالمعصية كان ذلك يعلم الله وحجته على العبد؛ لأن الباري تعالي قد تقدم إليه بهذا التبيين الذي بينه الله تعالي له، وهو هدي البيان لأهدي السعادة، قال الله تعالي: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى، فهدي الله تعالي للخلق كلهم هدي بيان، وكل منهم يعمل باختياره نفسه لما يعمل من كفر وإيمان.
وسئل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن أفعال العباد: أهي مخلوقة؟ فقال: الله خالق كل شيء، وسئل على بن أبي طالب عن أفعال العباد: فقال: هي من الله خلق ومن العباد فعل.
فإن قال قائل: أخلق الله العباد للطاعة أم المعصية أم لا لهذا، ولا لهذا؟ فقل له: إن الله خلق العباد للطاعة لا للمعصية، كما قال الله تعالي: " وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ " إلا ليأمرهم بعبادته وطاعته، ولم يخلقهم؛ ليعصوه، ولا ليعبدوا غيره.
فإن قال: أخلق الله القوة في العبد للطاعة أم للمعصية؟ فيقال له إن الله خلق القوة للعبد للطاعة ولا للمعصية، كما خلق العبد للطاعة لا للمعصية على معني الأمر؛ والنهي، فإن قال: خلقها فيه للطاعة ولا للمعصية فعصي؟ أليس قد أتي بما لم يقوه الله من فعل نفسه، فهذا استطاع خلاف ما جعل الله فيه؛ فيقال له: إنه لم يفعل ما جعل الله فيه، ولكن فعل ما لم يجعل الله له، وجعل الله له غير ما جعل الله فيه، وإنما فعل ما فعل بما جعل الله فيه من الجوارح التي بها عصي،