منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد بن علي الشقصي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٧٨

فإن قال: فهل يكون حكيما من يري عبده يعصيه، ويعمل عملا يستحق عليه الخلود في النار، ولا يمنعه، ولا يخلصه منه؟ قيل له: إن الله قد منعهم من ذلك أشد المنع، وخلصهم بأفضل الخلاص، وذلك: أنه زجرهم، ونهاهم، ونوعدهم بالنار، وأراهم العبر والآيات والمثلات وكل ذلك أشد المنع وأما الخلاص؛ فقد أقدرهم على ترك المعاصي، وجعل لهم السبيل إلى الطاعة، وأعطاهم كل ما ينجون به من المعصية، وحذرهم ووعدهم وتوعدهم فإن قال: فهلا منعهم بالجبر والقهر، وخلصهم بمثل ذلك؟ قيل له: لو فعل ذلك بهم لم يستحق محسن ثوابا ومسئ عقابا، ولكان لا معني لخلقهم؛ إذا لم يخلقهم لينفعهم، ولكان قد خلقهم عبثا، وتركهم سدي، والله تعلي يقول: " وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " وقيل: المعني في الآية ليعرفوني ويوحدوني، وآمرهم بعبادتي.

فمن زعم أن الله – تعالي – أراد العبادة، والطاعة من جميع عباده، لأنه خلقهم لذلك، ولم يفعلوا كان في قياد قول هذا القائل: أن الجن والإنس فعلوا خلاف ما أراد الله منهم، وكانت إرادتهم غالبة لإرادته، وكانوا قد أكرهوه، وغلبوه، وهذا القول باطل.

ولو أراد الله الإيمان من العاصين من الجن والإنس جميعا لآمنوا كلهم؛ لأن الله تعالي يقول: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً " فدل على أنه لم يرد الإيمان إلا ممن آمن طائعا، ولم يرد المعصية طاعة وقد أراد كون المعصية قبيحة ممن عصاه مسخوطة، والطاعة حسنة مقبولة.