الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٨٩القول الرابع والثلاثون
في العلم ومعناه
قال أهل الاستقامة من أمة محمد (- صلى الله عليه وسلم -): إن الله تعالي عالم وإن له علما، بمعني أنه عالم بالأشياء، لا أن له علما هو غيره به علم الأشياء؛ قال الله تعالي: " أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ " أي أنزله وهو العالم به.
فإن قال قائل: مم أنكرتم أن يكون عالما بعلم؛ إذ لم يشاهد عالم إلا يعلم؟ قيل له: إن علم الخلق بالتعليم وهو حادث فيهم بعد أن كانوا غير عامين بيده، والله تعالي هو العالم بنفسه لا يعلم حادث فيه بعد أن لم يكن. فإن قال: فما أنكرتم أن يكون ما قلتم أنه عالم بنفسه لا معني له؛ لأنه لا يخلو من أن يكون عالما بنفسه، أو عالما بعلم، فإن كان عالما بعلم فهو ما نقوله، وإن كان عالما بنفسه، وجب أن يكون نفسه عالما، فلما استحال أن يكون نفسه عالما وجب أن يكون عالما بعلم.
قيل لهم: إن العالم إنما يكون عالما بوجود علمه، وقولننا عالم بنفسه إثبات للذات، الذي أنكرناه أنه غيره أن يكون قديما أو محدثا؛ فإن كان قديما وجب أن يكونا قديمين في الأزل، وإن كان محدثا وجب أن يكون القديم قد كان غير عالم، فلما فسد هذان الوجهان صح ما نقول: إنه عالم بنفسه.
فإن قال: هل يعلم الله نعم أهل الجنة، وعذاب أهل النار؟ قيل له: نعم يعلم ذلك إلى غير غاية، ولا نهاية سبحانه وتعالي العالم بما كان، وبما يكون،