منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد بن علي الشقصي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٩٠

وما لا يكون، أن لو كان كيف كان يكون، لا يخفي عليه شيء. فإن قال: فما الدليل على أنه يعلم ما يكون من الأشياء قبل أن تكون؟ قيل له: لو كان غير عالم بها قبل كونها يكون جاهلا بها؛ فلما كانت أفعاله على مقدار علمه بها علمنا أنه عالم بها قبل كونها، فإن قال: فالعلم ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي. قيل له: إنا لا نقول ذلك؛ ولكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان حتى كان منهم ما علم الله تعالي.

فإن قال: أفيقدر من علم الله منه المعصية أن يفعل خلاف ما علم الله تعالي.

قيل له: لا، فإن قال: فإذن هو مخير‍‍! قيل له: هو غير مخير؛ وإنما قلما: إنه لا يقدر على علم فعل ما علم الله تعالي أنه لا يفعله لتشاغله بفعل ما أمر به، أو نهي عنه.

فأما إن ترك ما اختار فهو قادر على فعل ما اختار في الحال التي يختار فيها الفعل الثاني، فهو شغله بفعل لا يقدر على فعل آخر، ولكنه قادر على ترك ذلك في حال تركه من غير مانع له من تركه، ولا جابر يجبره، ولا حائل بينه وبينه من قبل الله تعالي، وإنما أوتي من قبل نفسه.

فإن قال: فما الدليل على أنه إذا لم يفعل ما أمر به، كان فاعلا خلافه؟ قيل له: إن العبد لا يخلو من أحد أمرين: إما حركة، أو سكون، فهو أن كان متحركا أو ساكنا؛ فهو فاعل لأحد الأمرين، وبأيهما كان مأمورا ففعل خلافه فقد فعل خلاف ما كلف، ومن لم يعمل ما أمر به فليس بقادر