الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٠٨قال [له الرقاشي]: ثكلتك أمك. لا كيف له، ويحك !! وهل تدري ما الكيف؟
فقال [الأعرابي]: لا
قال [الرقاشي]: إنما يقال الكيف للشيء الغائب؛ إذا استوصف، فيوجد له في الحاضر مثل، فيقول الواصف: هو كذا، أو مثل كذا، أو شبه كذا، وأما الرب – جلا وعلا – فلا مثل له فيما غاب، ولا فيما بقي؛ ولا يقال له: كيف، ولا يطلب بالكيف، ولا إليه سبيل بالكيف، وإنما يراد بالكيف الشبه والعدل، والله تعالي " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ".
قال [الأعرابي] فما قوله: " الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى "؟
قال [الرقاشي]: فإنما ضللتم من قبل العربية أن الاستواء في كلام العرب الاستعلاء، والقدرة، والقهر، فليس مخلوق تدركه: أن كيف هو؟ هيهات هيهات من ينال ذلك، وقد جعل على أبصار القلوب عن ذلك الغطاء؛ فلا وهم يناله، ولا قلب ينعته ويصفه، ولا يخطر على بال، إلا كما وصف نفسه: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ"؛ دائم "أبدا ليس كمثله شيء، وهو اللطيف الخبير".
قال [الأعرابي السائل] فما العرش؟
فقال [الرقاشي]: الآن سألتني عن الخلق. إن العرش خلق من خلق الله تعالي فوق السماء السابعة بلاء، واختبار؛ يختبر به ملائكته، جعله الله موضع التسبيح، والتحميد، والثناء، والمدح، والشكر، والبهاء، والسناء،