الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢٤فإن احتج بقوله تعالي: " مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا " والسيئة لها منتهي؟ قيل له: إن الله تعالي – قال مثلها في التعديل.
والحق أنه لا يعذب الكافر كعذاب المنافق؛ لأن المنافق أشد عذابا، وكل يعذب بقدر عمله في الجزاء، والتفاضل؛ لأن النار درجات، كما للجنة درجات، قال الله تعالي: " وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ "، وقال في أهل النار: " لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ".
فصل:
واختلف الناس في الجنة والنار، أخلفتا أم لا؟ فزعم قوم: أنهما قد خلقتا، واحتجوا بقوله تعالي: " قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا " والهبوط من الشيء لا يكون إلا وقد خلق، وقال الله تعالي: " وَاتَّقُوا النَّارَ الَتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ "، وقال: " وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"، والمعد في اللغة: هو المهيأ الذي في فرغ منه، وقال النبي (- صلى الله عليه وسلم -): اطلعت علي الجنة، فوجدت أقل أهلها الأغنياء، والنساء، واطلعت علي النار، فوجدت أكثر أهلها الأغنياء والنساء. ولا يطلع إلا علي شيء قد خلق، وفرغ منه، وحجة أخري. قوله تعالي:" وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ" (بالألف واللام) ولا تكون إلا الجنة المعدة للمتقين.
وأما حجة من يقول: إن الجنة والنار غير مخلوقتين- يحتج بأن الخلق كله فإن لا يبقي إلا الله وحده. والجنة، والنار؛ إذا خلقتنا لا يفنيان، ولكن كل شيء قال الله أنه سيكون فهو كائن لا محالة، وهو كأنه قد فرغ منه؛ ولو لم يكن