الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٠فمن رجح جانب ظنه إلى جانب العلم – فهو ظن محمود، لأنه جاوز حد الجهل، والشك إلى الإيمان.
فحقيقة الظن ميلان النفس إلى تحقيق ما اعتقده المؤمن، وآمن به، والظن يثول إلى العلم، لأن جل أحكام الشريعة إنما بنيت على غلبات الظنون.،
فإذا قوي الظن صار علما، وهو أن يلوح المعني الذي اعتقده القلب، فتطمئن إليه النفس، وربما يعضده الدليل، فيتضح به السبيل.
وهذا العلم نور يقذف في قلب المؤمن، فيتسع القلب به، وينشرح، وقال الله تعالي: " وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا " الآية وقال تعالي: " فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ " الآية، فقيل لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ما هذا الشرح؟ فقال (عليه السلام): إن النور، إذا دخل في القلب انشرح به الصدر، وانفسح، قيل له: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال، نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.
فالعلم: درجة في القلب أعلي من درجة الإيمان، ولذلك فرق الله تعالي بين درجة الإيمان ودرجة العلم، فقال: " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ ".
ويروي عن ابن عباس (رضي الله عنه) أنه قال: العلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين، مسيرة خمسمائة عام.
فإن ازداد العلم – صار يقينا، واليقين إزاحة الشك، وهو علم راجح في القلب زايلته الشكوك، وفارقه الاضطراب، واستحكم في الناس، حتى يكون كأنه عن مشاهدة.