آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

إنّ الأمّة الإسلامية تقوم وتقوى في بنائها ـ بعد الإيمان بالله ورسوله ـ على عواطف الحبّ المشترك، والودّ الصافي، والبعد عن الحقد والضغائن، ونبذ الحسد والبغضاء.

فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: رسول الله ﴿ص﴾:

﴿سيصيب أمّتي داء الأمم، قالوا: وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتنافس في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتّى يكون البغي ثمّ الهرج﴾. صدق رسول الله ﴿ص﴾ أخرجه الحاكم.

فحين تعيش الأمة معتصمة بكتاب ربّها، متمسّكة بهدي نبيّها، وتتّبع إرشادات وليّ أمرها، ويعمل أعضاؤها لبناء حاضرها الذي تضمن به مستقبلها، متعاونة متآزرة فيما بين عناصرها، سليمة قلوبهم، مبرأّة من وساوس الضغينة، بعيدة عن ثوران الأحقاد والانتقام، وإذا أنعم الله تعالى على بعض فئاتها بنعمة سادهم الرضا والقبول، ويدعون بدعاء رسولهم ﴿ص﴾: ﴿اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر﴾ رواه أبو داود.

والعكس عن ذلك تماما، فإذا مسّ طائفة منها ضرّ أو لحق بها أذى تألّم جميع أعضائها من أجله، فيصيبهم الحزن والإشفاق، وسألوا ربّهم تفريج الكر بات ودفع المصائب، وغفران الذنوب، وتعلّقت بالخشوع لربّها والدعاء إليه.

فهم دائما يبتهلون إلى ربّهم ويتضرّعون إليه بهذا الدعاء وبغيره من الأدعية التي علّمها الرسول ﴿ص﴾ لأتباعه:

﴿اللهم رضّنا بقضائك، وبارك لنا فيما قدّر لنا، حتى لا نحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت﴾.

أمّا إذا تغلّبت الشهوات على النفوس، واستولت على أفكارها الحظوظ النفسية، وطغت الغفلة عن الحقّ، وصار الأفراد يتطلّعون إلى الزعامات والمآرب الشخصية، تخلّطت لديها الأمور وحلّت الحزازات وانتشرت الفرقة، فأصبحت شيعا وأحزابا يذيق بعضها بأس بعض.

قال الإمام محمّد الغزالي:

١٠٠ / ١٨٩