آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٩٩سورة الحجّ ـآية: 39.
وهذا ما كان يتمنّاه آباؤنا وأجدادنا المجاهدين منهم والشهداء لهذا الوطن، فهم لم يهنأ لهم بال إلاّ عندما حرّروه من حكم الأعداء المستعمرين، ولمّا علم منهم ربّهم هذه النيّة الطيّبة، أعانهم ووفّقهم وحقّق لهم ذلك الهدف، ومكّن لهم أرض بلادهم بعد أن ظلّت تحت أيدي الأعداء سنين وسنين طوال.
والعكس تماما فحينما يكون التدابر والتخاذل بين عناصر الأمّة الواحدة ويعمّ بينهم الشقاق والعداوة، ويقطعوا عرى الأخوّة بينهم، فإن ذلك لا يجلب لهم إلاّ الخور والضعف والاستسلام لأعدائهم يخطّطون لهم كيف يشاؤون، ويفعلون بهم ما يريدون، فيحجبون طرق الخير عن الناس، فلا يقوون عن دفع مخطّطاتهم وإحباطها، فتسيطر الأنانية على النفوس، وتظهر الميول النفسية، وتعم النزاعات الجهويّة، فيندفع الناس بكلّ قوّة وجهد لتحقيق المصالح الشخصية، وذلك على حساب المصلحة العامّة، وإذا تغلّبت على النفوس تلك الأخلاق فإنه يعمّ الظلم والتّعدّي، وتنتشر الفتن، ويتغلّب على النفوس ويستحوذ عليها التنازع على الأغراض الدنيوية، وذلك بداية ضعف الأمّة وتقهقرها واستسلامها لأعداءها يوجّهونها كما يشاؤون ويفعلون بها ما يريدون.
إنّ التسامح والتعاون سلاح ماض وأقوى وأعظم من أيّ جيش، وهما عدّة وفيرة وقويّة ودائمة في يد أيّ أمّة تطلب النجاح لأعضائها وتسعى أن تحقّق لنفسها مستقبلا زاهرا ومستقرّا، وبه تدفع عن نفسها كلّ تعدّ أو تخريب.
إنه سلاح الائتلاف، قوّة الاتّحاد، قوّة ضم اليد إلى اليد، ومعونة الأخ للأخ. … وفي هذا الشأن يقول تعالى:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واّكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على جفا حفرة من النار فأنقدكم منها كذلك يبيّن لكم آياته لعلكم تهتدون﴾
سورة ءال عمران ـ آية: 103.