آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٠٧فقد حقن من الدماء ما لا يعمل مقدارها إلاّ الله تعالى وقد حفظ من النفوس ما ستشهد له بذلك أعداد غفيرة من الأجيال الصاعدة التي ستدرس تاريخ الجزائر الحبيبة، وصان من الأعراض ما حفظ به كرامة كثير وكثير من الأمّهات والبنات والأخوات، واستبقى من الأموال ما يرفع به اقتصاد الدولة ويدفع باقتصادها إلى الأمام بعون الله وتوفيقه، فسيبقى له هذا المشروع ذخرا عند ربّه، تشهد له به نفوس عديدة غدا يوم القيامة، كما سيكون له شرفا عاليا وقدرا رفيعا عند شعبه، وذكرا حسنا طيّبا عند السلف من الأجيال اللاحقة إن شاء الله، وغرّة بيضاء في جبين التاريخ على مرّ الأيام والأزمان.
والنفوس التي تدعى إلى هذا الطريق الحسن والخيري مجبولة على الشّحّ وصعوبة الانقياد وذلك وسوسة من الشيطان، ممّا يستدعي تحمّل كثير من التعويضات وبذل الكثير من الوقت والأموال في سبيل إرضائها، مع طول صبر وأناة، وراحة صدر، وقوّة عزيمة، وطيبة قلب.
وفي هذا يقول تعالى:
﴿والصلح خير وأحضرت الأنفس الشحّ وإن تحسنوا وتتّقوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا﴾. … سورة النساء ـآية:127.
ولكن مقابل هذه النفوس الشحيحة التي لا ترضى الصلح إلاّ بتعويض ما خسرته في محنتها أو أكثر، يرتقي أصحاب المروءات والنفوس الراقية من المصلحين ليبدلوا من أوقاتهم وأموالهم فيغرموا منها ما يبعث الرضى في تلك النفوس، فيحقّقوا ذلك الهدف السامي والغرض النبيل.
حقّا إنّه عمل جليل وصعب يستدعي الكثير من البذل والتضحية في صبر وأناة، خاصّة إذا كنّا نعلم أن طباع النفوس يطغى عليها صعوبة الإنقياد، وقلّة الاستجابة.
قال تعالى: ﴿وأحضرت الانفس الشحّ﴾. … سورة النساء ـ آية:127.