آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٠٨إنّ الإسلام يقدّر لهؤلاء مروءاتهم، ويجازيهم على حسب مجوداتهم ونواياهم، ويعوّض لهم خيرا من ذلك في أهليهم وأولادهم، من الصحّة والهناء والاستقرار والنجاح، وأكثر من ذلك وأفضل ما يدّخره لهم من الأجر الجزيل والثواب الكريم عند ربّهم، في جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار، لأنهم تفانوا في سبيل إصلاح وضعية أمّتهم وسلامتها من التدمير والتخريب، وقد اعتبر الشرع هذا العمل أفضل من الصّلاة والصّيام والقيام.
وفي هذا يقول الرسول ﴿ص﴾:
﴿ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟﴾. قالوا بلى يا رسول الله، قال:
﴿إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، وإنما تحلق الدّين﴾. … رواه الترمذي.
والمصلح بين المتنازعين والمتخاصمين يقوم بعمل من أجلّ وأفضل الأعمال.
وهذا رسولنا محمد ﴿ص﴾ قد باشر هذا العمل بنفسه، وذلك حين تنازع أهل قباء، فنادى أصحابه وقال:
﴿اذهبوا نصلح بينهم﴾.
وخرج بنفسه للإصلاح بين أناس من بني عوف حتّى تأخّر عن صلاة الجماعة.
ويقول الإمام الأوزاعي ـرحمه الله تعالى:
ما خطوة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من خطوة في إصلاح ذات البين.
أمّا طريق الإصلاح وأسلوبه، فإنه يبدأ بكلمة طيّبة من رجل عاقل لبيب نبيل مخلص، يسرّه في قرارة نفسه أن يسود السلام والرخاء بين خلق الله جميعا، لا يفرّق بين هذا وهذا، هدفه إرضاء ربّه، ونيل أجره، لا طمعا في منصب أو شكر أو مال أو أيّ شيء آخر من مناصب الحياة الدنيا.
كلمة طيّبة من رجل صالح قد امتلأ صدره إخلاصا فتخرج تلك الكلمة عبارة عن شعاع نور يضيء للمتخاصمين الطريق إلى الخير والنجاح، فتستقرّ بإذن الله وتوفيقه في قلوبهم فينقادون عن اقتناع ورضى وتفهّم لما هم مقبلون عليه من فضل، ولما يدعون إليه من أجر.
وهذا مثل ما ذكر ربّنا تعالى على لسان النبيء شعيب حين قال لقومه: