آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١١٤

فعلى الزعماء والقادة الروحيين، والمرشدين الاجتماعيين، أن يركّزوا على تقويّة الجانب الروحي في عناصر المجتمع، ويبثّوا فيهم قوّة التضحيّة، ويعلموهم مبادئ التوافق النفسي الداخلي، الذي يجعل الشخص يحيا حياة هادئة متوازنة مع نفسه التي يحملها بين جنبيه، هذه النفس التي يستطيع بها معاشرة عناصر مجتمعه معاشرة طيّبة، ويرشدوهم إلى التخلّق بفضائل العفو والسلام والمسامحة والتعاون، هذه الفضائل التي تصبح نابعة من داخل نفوسهم وقلوبهم لأنّها قد جلبت لهم الطمأنينة والهدوء الداخلي، فيعمّموها في المجتمع، ويصبحوا دعاة إلى السلام والوئام في مجتمعهم الصغير الأسرة، ثم في مجتمعهم المتوسّط القرية والمدينة، وبعد ذلك المجتمع الكبير والواسع الدولة، وبهذه العملية يعمّ العالم جميعا مثل هذه الأخلاق الراقية والسامية، فتتغلّب قوى الخير على القوى الأخرى، فينموا الهدوء والسكينة والطمأنينة داخل العقول، ويستقيم تفكيرها وتعتدل أفكارها وتصحّ اعتقاداتها، وتقوى أرواحها، فيعم العالم جميعا السعادة والهناء، وتنقص بذلك الاضطرابات الشخصيّة والاجتماعية، فيعمّ السلام وينتشر الوئام فيأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم.

لقد علم الرسول ﴿ص﴾ بأنّ هذه القواعد والأسس هي التي تبني وتكون المجتمعات الصالحة المملوءة بالسلام والأمن والوئام، وأن النفوس تصلح بها وتستقيم إذا ما تمسكت بها، لذلك بدأ بنفسه فطبّقها في حياته مع أصحابه وأعدائه، وأرشد جميع أصحابه إلى التمسّك بها والتعامل بأسسها مع القريب والبعيد، فكوّن مجتمعا راقيا سعيدا عاش فيه الصديق مع العدوّ جنبا إلى جنب، وهم آمنون متعاونون.

١١٤ / ١٨٩