آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١١٦وبالإضافة إلى ذلك يعتقدون داخل نفوسهم الطيّبة أن عناصر مجتمعهم يعينونهم على مجابهة وحل ّمشاكل الحياة ومصاعبها، ويتيقّنون جيّدا بأن حياتهم لا تكتمل ولا تكون سعيدة ومطمئنّة إلاّ بمعونتهم ومساندتهم لهم.
ففي تلك الحالة تمتلئ النفوس بالحبّ والاطمئنان، وتشعر بعاطفة قوية نحو جميع عناصر المجتمع، بل الإنسانية جمعاء، وتبعث فيها الاهتمام الشديد بمن حولها، فتتكوّن فيها متعة كبيرة بإعانة الآخرين والتضحية في سبيل توقير الراحة لهم، ويشعر كلّ شخص بأنّ له قيمة كبيرة ودور إيجابي داخل مجتمعه، ويتوصّل إلى أنّ مصدر ذلك الحبّ قد نبع من داخل نفسه، وزاده قوّة ورسوخا تعامله مع من حوله بتلك الأخلاق العالية، فيسرع إلى التضحية بكلّ ما يملك، حتّى يحافظ على تلك المكانة الجيّدة التي وضعها فيه عناصر مجتمعه، ويمتنع بكلّ قوّة عن التعدّي عليهم، بل أكثر من يصبح هو نفسه أداة دفاع وردّ لتعدّي الآخرين.
وكلّ هذه الأخلاق هي من توجيهات خير البرية، تحلّى بها هو أوّلا مثالا للسماحة والعفو يمشي على رجلين، ونفخها في نفوس أصحابه فتعاملوا مع القريب والبعيد، والصديق والعدوّ، فهو الذي كان يأمر أتباعه ويقول لهم بكلّ موضوعية وصراحة يسمعها العالم جميعا من حوله:
﴿انصر أخاك ظالما أو مظلوما﴾. فاحتار الصحابة وسأل أحدهم وقال: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما، قال ﴿ص﴾: ﴿تردّه عن ظلمه﴾.
فالحبّ والاحترام والتآلف والتسامح مع جميع النّاس كلّهم من عناصر القوّة النفسيّة التي يريد الله أن يكون عليها عباده جميعا، والتي تحوّل بإذنه العدوّ اللّذوذ إلى صديق حميم.
وهذا كلّه من توجيهات ربّنا تعالى وإرشاداته لهذه النفوس التي خلقها بيده، وهو وحده يعلم ما يصلح لها من المعاملة مع غيرها من النفوس الأخرى.
قال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. … سورة فصّلت ـآية:34.