آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٢٨وقد عمد باحثون إيطاليون إلى تقديم دليل علمي يدعّم فكرة وجدوى التسامح والعفو، ليس من الناحية الدينيّة الأخلاقيّة فقط، مثلما تبيّنه الأديان السماوية كلّها، كما سبق ذكره من قبل في العناوين الماضية، وإنّما هو مفيد للصحّة الجسميّة والروحة كذلك، فإذا ما عوّد الشخص نفسه التسامح وتربّى عليه في محيطه الصغير الأسرة والكبير المجتمع فإنّه سينشأ ويعيش في راحة وهدوء نفس، ويحفظ نفسه من كثير من الأمراض التي تسلّطت على إنسان هذا العصر، مثل الضغط والسكّري وقرحة المعدّة والغضب، وغيرها من الأمراض التي يستطيع تفاديها إذا هو علم كيف يتصرّف مع إخوانه في هذه الحياة.
وقد اختبر البروفسور (بيترو بيتريني) عالم الأعصاب في كلّية الطبّ بجامعة (بيزا) في إيطاليا مدى صحّة فكرة التسامح الذي يتيح للإنسان التغلّب على وضع يمكن أن يصبح مصدرا أساسيّا للاكتئاب المؤثر على العقل والأعصاب ويجعلها تصاب بتوترات سلبيّة سيّئة على الصحّة العامّة للجسم.
وقد تلقى البروفسور لغرض تحقيق هذا البحث تمويلا من منظمة أمريكية لا تهدف إلاّ إلى دراسة حالة الإنسان عندما يكون في وضعية المظلوم من شخص آخر في مجتمعه، أو بأيّ نوع من أنواع الظلم المختلفة الموجودة في المجتمعات الإنسانية منذ نشأته على وجه الأرض، وأوّل من وقع فيها هو قتل قابيل لأخيه هابيل.
وقد سمّوا هذا البحث: الحملة من أجل الأبحاث الخاصة بالتسامح
وقد قام البروفسور بدراسة حالات كان فيها أصحابها متسامحين بقلب راض، ونفس هادئة، وحالات أخرى لأناس متأثّرين تأثيرا شديدا لأنّهم ظلموا من طرف شخص آخر، أو أناس آخرين، وقدسيطر عليهم الانفعال، واستبدّ بهم الغضب، فلم يريدوا ولم يرضوا أن يتعاملوا مع من ظلميهم بالتسامح والعفو، بل صاروا يجهدون أنفسهم وعقولهم، ويخسرون أموالهم ليل نهار بحثا عن فرصة سانحة للانتقام من نظرائهم.