آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

إنّ هذه الوضعية تجعل صاحبها ينجو من تحمّل ثقل الضغينة، والبحث عن الانتقام، وتعب الحقد الذي يجعل النفس لا تستطيع تحمّل ما يعترضها من أمرض نفسيّة هائلة، وبهذا يبقى الصدر صافيا، والقلب سليما، والنفس مرتاحة، والجسم صحيحا.

عن عائشة ـرضي الله عنها ـ أنّها قالت: استأذن رهط من اليهود على النبيء ﴿ص﴾، فقالوا السّام عليك.

فقلت: بل عليكم السّام واللعنة، فقال عليه الصلاة والسلام:

يا عائشة: ﴿إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه﴾.

قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: ﴿قلت وعليكم﴾.

﴿فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ﴾.

رواه البخاري ومسلم.

هذه رحمته ﴿ص﴾ وحلمه حتّى مع أعدائه وأعداء الإسلام، فلماذا لا ينهج المسلمون نهجه حتى يسترجعوا ثقة الآخرين في دين ربّهم.

وقد صدق ربّنا تعالى حين يقول فيه: ﴿لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم﴾. … س … سورة التوبة ـ آية: 129.

وفي التراث الإنساني، والتاريخ البشري على تنوّعه واختلافه، واختلاف مصادره ومواطنه عبر نواحي العالم، نجد قدرا كبيرا من تمجيد خلق التسامح والعفو والدعوة إليه من طرف كثير من العظماء الذين نالوا الدرجات العليا من التقدير والتمجيد من طرف تابعيهم حتّى أنّ بعض الشعوب عبدوهم من دون الله، وذلك لما اتّصفوا به من الأخلاق النبيلة والمعاملات الطيبّة مع جميع عناصر المجتمع على اختلاف طبقاتهم وتنوّع انتماءاتهم ودياناتهم، ودعوهم إلى التحلّي بها وتطبيقها في واقع حياتهم.

نشروا السلام ودعوا إلى التواضع والتفاهم والتناصح، ونبذ الخصام والتنازع وبيّنوا هذه الأخلاق لمجتمعاتهم، فلقّبوا من طرف شعوبهم بالرجال الروحيّين المثاليين، فعشاوا حياة تفكير وتركيز وروح، ونبذوا زخارف الحياة الدنيا وابتعدوا عنها لأنّهم استنتجوا أنّها تتعب الروح وتشقي النفس وتمرض الجسد.

١٣٢ / ١٨٩