آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

إنّ أغلبية أعمال التدمير والتخريب، وكثيرا من الانحرافات الخطيرة التي نراها داخل المجتمع تصدر من أفراد لا يجدون في صدورهم وقلوبهم حلاوة التسامح والعفو، وما دموا يفكّرون مثل هذا … التفكير فإنّهم يعتقدون، أو يتخيّلون أنّ جميع عناصر المجتمع ناقمين عليهم، فيلجئهم ذلك إلى حبّ الانتقام منهم، فيقومون بما يقومون به من أعمال منحرفة حتّى يجلبوا انتباه واحترام المجتمع إليهم، وهم يظنّون من وراء ذلك كلّه أنّهم يشفون غيظهم، ويقومون بأخذ الثأر من عناصر مجتمعهم.

والعفو والصفح عمن ظلمنا والتسامح مع الظالم لا يعني بالضرورة استمرار العلاقة معه، أو الاحتفاظ بمشاعر المودّة السابقة نحوه إن كانت موجودة من قبل، أو يعني أنّنا ضعيفي النفوس لا نقدر على الانتقام والدفاع عن أنفسنا واسترداد حقوقنا، وإنّما يعني ببساطة نسيان الإساءة والتعدّي وإسقاطها من ذاكرتنا، وعدم التفكير فيها ليل نهار، وإجهاد العقل في البحث عن كيفيّة الانتقام والنيل ممّن ظلمنا، ممّا يفقدنا العمل الصالح المنتج في النهار، والنوم الهادئ المريح في الليل، لأنّ نسيان الإساءة يسقط معها ما يجثم على الصدر من ثقل الآلام النفسيّة التي أحدثها الإساءة.

أمّا إذا كان الشخص عاجزا تماما عن النسيان والصفح، وصار يعمل عقله في التفكير في تلك المشاغل، ومن جهة أخرى فهو في الحقيقة الواقعية عاجز عن الانتقام والأخذ بثأره، واسترداد حقّه ممّن ظلمه، فالنتيجة تصبح لا محالة عكسية تماما عمّا يقصده رسولنا محمّد ﴿ص﴾ حين يقول:

﴿من كتم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من الحور العين، يزوّجه منها ما يشاء﴾ … ر … رواه البخاري ومسلم.

١٣٥ / ١٨٩