آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

وإنّ محاولة القصاص والأخذ بالثأر والبحث الدائم عن كيفيته، ومتى يكون، وكيف يكون، وما مقداره، كلّها هموم وأعباء يكوّنها الإنسان لنفسه دون فائدة ترتجى منها، وفي حين أنّه غنيّ عنها، وتصرفه عن الاشتغال بما يفيد من مصالحه المهمّة والمنتجة في حياته، وربّما في آخر المطاف يجد أنّه قد ضيّع فترة من حياته دون فائدة، فلا هو استطاع أن ينتقم، ولا هو استفاد من عمره الذي لا يعود مرّة أخرى، وأكبر من ذلك أنّه جلب لنفسه ولجسمه أمراضا متعدّدة لا يشفى منها.

قال تعالى: ﴿وجزاء سيّئة سيّئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنّه لا يحبّ الظالمين﴾. … سورة الشورى ـ آية:37.

إنّ الدراسات المتعدّدة التي أجراها العلماء فيما يخصّ هذه الناحية من حياة الإنسان أثبتت أنّ العفو والصفح يبعث الطمأنينة والراحة في نفس الشخص، ويجعله يحيا حياة متوازنة هادئة.

فقد نشرت إدارة البوليس غي مدينة (ميلووكي) منشورا كتبت فيه ما يلي ووزّعته على جميع سكّان المدينة:

ـإذا سوّلت لقوم أنفسهم أن يسيئوا إليك، فأبعد عن نفسك أسماءهم، وامح عن ذاكرتك ذكراهم، ولا تحاول أبدا أن تقتصّ منهم، فإذا حدثت نفسك بأن تختار القصاص، فإنّك ستؤذيها أكثر ممّا تؤذيهم.

وبالفعل فإنّ الإنسان حين يمقت من أساء إليه ويحاول القصاص منه، فإنّه يتيح له الفرصة كي يتغلّب عليه، وأن يتحكّم في نومه ومأكله ويتغلّب ويسيطر على طريقة تفكيره وعلى صحّته وسعادته، وإنّ المسيئين إليه ليرقصون طربا لو علموا حقيقة ما يسبّبونه له من القلق والاضطراب وعدم الهدوء، فهو بذلك يزيد لنفسه إساءة أكبر وأكثر من الإساءة التي تلقاها منه.

إنّ مقت الشخص لهم ومحاولة القصاص منهم لا يؤذيهم، وإنّما يؤذيه هو أوّلا وأخيرا، ويحوّل أيامه ولياليه إلى جحيم.

١٣٩ / ١٨٩