آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٤١

إنّ اجتلاب عداوة هؤلاء الظالمين لا تجدي فتيلا في حياة المجدّين العاملين المخلصين.

والرجال العظماء حقّا كلّما حلّقت نفوسهم في آفاق الكمال الخلقي والهدوء النفسي، اتّسعت صدورهم، وتحمّلت نفوسهم، والتمسوا الأعذار للمعتدّين عليهم، وامتدّ حلمهم ليشمل الناس كلّهم، فإذا تعدّى عليهم خفيف النفس طائش الأخلاق، يريد أن يستثير غضبهم وينقص من كرامتهم، ويغيّّر مسار حياتهم ترفّعوا عنه، ونظروا إليه من مكانهم العالي المرتفع، كما ينظر الفيلسوف إلى صبيان يعبثون في الطريق، ولا يتورّعون أن يرموه بالحجارة، وكانوا كما يقول ربّنا تعالى:

﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾. … سورة الفرقان ـ آية:63.

إنّ شتائم الطائشين، وظلم المتعدّين، المليئة نفوسهم بغضا وانتقاما وحقدا، لا يتأثر لها حلم العظماء، لأنّهم يفيضون خيرا وبرّا وشفقة ورحمة.

وكيف يضيق المعلّم الكبير بهفوات الصبيان الصغار الأغرار.

إنّ الشخص العظيم الذي يعيش وراء أسواره العالية من الفضيلة، وحسن الخلق، وكرامة النفس لا يحسّ بوخز الألم من شخص آخر سوّلت له نفسه أن يغضبه، وينقص من كرامته، كي ينزله من سوره العالي إلى قارعة الطريق حتّى يهينه، وهذه الإهانات تسقط على مسبّبيها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد العالي.

يقول العالم النفساني (ديل كارنيجي): فأنت ترى المسيح عليه السلام عندما يقول لنا:

ـ أحبّوا أعداءكم ـ لم يكن يقصد تقويم الأخلاق فحسب، وإنّما كان يبغي تقويم الأبدان أيضا وفقا لمبادئ الطبّ الحديث.

وحين نصح سيّدنا محمّد ﴿ص﴾ وسيّدنا المسيح عليه السلام، بأن نعفو إلى سبعين مرّة سبع مرّات، فإنّما كانا يعلّماننا كيف نتفادى لغط القلب، وقرحة المعدّة، والإضرابات النفسيّة، والمرض السكّري، وضغط الدم، وغير ذلك من الأمراض التي تسلّطت على إنسان هذا العصر الحديث، نتيجة لما يحمله داخل نفسه من أنانية، وابتعاد عن الحياة الاجتماعية، وحبّ للانتقام.

١٤١ / ١٨٩