آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٤٢فعلى كلّ من يريد أن يهب لنفسه الحياة الهادئة، ويملأها بالراحة والاطمئنان والصحّة النفسيّة والجسديّة المجانية أن يلتجئ إلى هذه الوصفات التي أرشد إليها الأنبياء والحكماء والأطباء، وهي بالمجان، ومفعولها محقّق، ولا تترك آثارا جانبية مثلما تتركه الأدوية الكيميائية وهي مهيّة متوفّرة في كلّ وقت وحين.
فعن الرسول الأعظم والنبيء الأكرم ﴿ص﴾ أنّه قال:
﴿من كثر عفوه مدّ له في عمره﴾.
وقال كذلك: ﴿تجاوزوا عن عثرات الخاطئين يقيكم الله بذلك سوء الأقدار﴾.
وقال أيضا: ﴿تعافوا تسقط الضغائن بينكم﴾.
إنّ الرسول يخبرنا وهو الصادق المصدوق أنّ من يريد أن يطول عمره فعليه بالعفو والتسامح، لماذا يا ترى؟.
ذلك لأنّ أغلب الأمراض التي تصيب الجسم وأجهزته يكون منشؤها اختلال حالة النفس، فطبيعة الحياة تعرّض الإنسان لمواقف صعبة وأوقات حرجة، وربّما أدّى بعضها إلى أزمة نفسية أو صدمة موجعة، خاصّة إذا كان صاحب النفس لا يسامح، ويسعى دائما إلى الانتقام،
وفي أغلبية الأحيان لا يصل إلى تحقيق ذلك الانتقام، فتختزن نفسه تلك الضغائن، لأنّها لم تجد متنفّسا لها، فعند ذلك تترك بداخله آثارا حادّة مؤلمة، وتلك الآثار الحادّة لا تبدو واضحة في البداية، ولكنّها تظهر تدريجيا، وبعد مدّة من الزمن، وتسمّى الأعراض النفسية الكامنة، فيتسبّب منها أمرض كثيرة، مثل ضغط الدم والنرفزة، وأمراض القلب، أو قرحة المعدّة، أو التهاب القصبات الهوائيّة الرئويّة، وكلّها أمراض جسميّة ولكنّ منشأها كلّها أسباب نفسيّة، وأعراضها ونتائجها تكون جسمية عضليّة.
إذن فلغة التسامح وعدم اللّجوء إلى القصاص وطلب الثأر، هي لغة الحوار واحتواء الغضب، لغة كفّ العدوان وقمعه، لذلك أمر الرسول الإنسان باللّجوء إليها، ليحمي نفسه من تلك الأمراض التي هي سبب الموت المبكّر لدى كثير من الناس، وفي أغلب الحالات، وهذا ما يفسّر حديث الرسول ﴿ص﴾: ﴿من كثر عفوه مدّ له في أجله﴾.