آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٤٥إنّ الكراهية وحبّ الانتقام إذا ملأت القلوب، فإنّها تحطّم حتى قابليتها للاستمتاع بمالأكل والمشربوالمنام والإستراحة.
ويقول الكتاب المقدّس في هذا الشأن: لقمة يابسة، ومعها سلامة، خير من بيت ملآن ذبائح ومعه خصام. … أمثال سليمان ـ 17.
فبهذه التوجيهات المختلفة يحرص الله تعالى على صيانة النفس البشريّة من الحقد والغيظ، ومن الضعف والذل، ومن الجور والبغي، ويعلّقها به وحده في كلّ حالة تكون فيها، ويعدها برضاه والجنّة إذا هي استطاعت فعل ذلك، وتحمّلت في سبيله ما تتحمّل من صبر ورباطة جأش.
فاستحباب العفو من الله تعالى هو لفائدة عباده ومصلحتهم في الدنيا والآخرة، وقد أرشدهم أن يتمسّكوا به ابتغاء رضاه وجزائه.
وهو القائل عزّ وجلّ: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾.
سورة الشورى ـ آية:37.
وكما أنّ العفو هو إصلاح للنفس من الأمراض، فهو كذلك إصلاح للجماعة من الأحقاد والضغائن والتفرقة.
وإذا كان العفو عن مقدرة واستطاعة فذلك هو الفضل المبين، ولا ينبع ذلك إلاّ من نفس فاضلة كريمة، وفي هذه الحالة يتبيّن وزن العفو وقيمة التسامح، ويظهر آثاره الحسنة على الظالم وعلى المتعدّي، فيجلبه إلى الجماعة، ويندمج في المجتمع، فيصبح فيه عنصرا فعّالا صالحا ومؤثّرا، فتصفو النفوس وترتاح القلوب إلى بعضها البعض.
إنّ أعداءنا يفرحون ويرقصون طربا وارتياحا إذا علموا أنّ كراهيتنا لهم ترهقنا وتحطّم أعصابنا، وتشوّش علينا راحتنا وتشوّه مظهرنا، وتبعث الاضطراب في قلوبنا، ممّا يسبّب لنا الموت المبكّر.
فإذا لم نستطع أن نحبّ من ظلمنا وتعدّى علينا، ولم نقدر على مسامحته والعفو عنه، فعلينا على الأقلّ ومن الأحسن أن نحبّ أنفسنا ونرحمها، ونقوم بذلك من أجل صحّتنا وسلامتنا وراحتنا.
وفي ذلك يقول (شكسبير):
(لا تنفخ لعدوّك نارا أو تزد جذوتها
فقد يؤذيك أنت من النار لفحتها)