آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٤٨إنّ هذا هو العمل النبيل والشريف الذي قام به كلّ الأنبياء والرسل والعظماء عبر التاريخ، ودعوا إليه بكلّ قوّة وإخلاص لأنّهم يعلمون جيّدا أنّه من مقوّمات ومكوّنات المجتمعات الصالحة.
فسيّدنا محمّد لم يفرّق في يوم من الأيام بين أصحابه أو فضّل أحدهم على الآخر، وذلك رغم أنّهم كانوا من أقوام مختلفة، وأصول متعدّدة، فلم يفرّق يوما بين المهاجرين والأنصار عندما هاجر من مكّة إلى المدينة بل آخى بينهم، وقسّم بينهم الأموال والحاجات كلّها، ولم يفرّق يوما بين بلال الحبشي الأسود وأحد من الصحابة الآخرين ولو كان من قومه وعشيرته، بل رفع من قدره إلى أعلى الدرجات حيث عيّنه مؤذن له في بداية الآذان الأوّل في الإسلام، فكان له ذلك شرف في الأمّة الإسلامية جمعاء، ولم يميّز بين أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب، أوبين صهيب الرومي على أنّه من الروم وليس من العرب، بل كوّن منهم جميعا مجتمعا موحّدا متماسكا يضرب به المثل عبر التاريخ، ولم تعرف أمّة من الأمم مهما كانت ثقافتها أو تقدّمها مجتمعا مثل ذلك المجتمع.
وقد قال قولته المشهورة: ﴿كلّكم لآدم وآدم من تراب﴾.
فكلّ شخص في هذا المجتمع إنسان كغيره من الناس خلقه ربّه، ووهب له قيمته التي هو جدير بها، فلماذا لا يحترمه أخوه ولا يقدّره القدر الذي أعطاه له ربّه، خالقه ورازقه.
وقد سجّل التاريخ عبر عصوره المختلفة الكثير والكثير من أمثال هؤلاء العظماء الذين قدّروا هذا المخلوق حقّ قدره، بل وضعوا أنفسهم أسفل السلّم واعتبروا الناس جميعا أفضل منهم وأحسن.
فعلى كلّ عنصر في المجتمع أن يزن إخوانه بميزان الإنسانية الخالصة، ولا يزنهم أبدا بميزان حبّه أو كراهيته.