آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

ومن سيرة العظماء العمالقة الذين طبّقوا هذا الميزان على مواطنيه نذكر ما ورد في سيرة الزعيم الأمريكي (إبرهام لنكولن) الذي أنجبته أمريكا فهو لم يفكّر يوما في الانتقام ممّن آذوه وأساؤوا إليه، فقد لاقى في حياته من المقت والإيذاء والخديعة ما لا يستطيع تحمّله إلاّ العظماء، ولكنّه استطاع أن يتلقى كلّ ذلك بصدر رحب، ونفس هادئة، وقلب مطمئنّ.

قال عنه مؤلّف سيرته الكاتب (هندرون): إنّه لم يزن الناس قطّ بميزان حبّه أو كراهيته، ولم يفكّر لحظة فيمن أساء إليه، ولا في نوع الإساءة التي اقترفها ضدّه فكان إذا أساء رجل إلى شخصه … ـ أي لنكولن ـ ووجد أنّ ذلك الرجل يليق ليقلّد منصب من المناصب السامية قي الدولة إلاّ أسرع إلى تقليده إياه، كما لو كان يقلّده صديقا حميما، أو أخا كريما عليه، ولا أخال أنّه عزل أحدا من منصبه لأنّه كان عدوّا له، أو لأنّه كان يكرهه.

بل الواقع أنّه أسيء إليه وأوذي من رجال كان قد رفع من شأنهم وقلّدهم مناصب ذات وجاهة وسطوة ونفوذ في الدولة.

إنّه كان يرى أنّه ينبغي للرجل المخلص أن لا يطلب المدح، أو يرفض الذمّ من أجل عمل واجب عليه أن يقوم به، لأنّ ذلك يعتبر من واجبه في الحياة ولا بدّ أن يقوم به، ونحن جميعا مسخّرون في أيدي الظروف والأقدار والبيئة والتعليم والعادات المكتسبة والوراثة التي تطبعنا بطابعها الخاصّ، فتظهرنا على الصورة التي نحن عليها في الحاضر، وهي التي تلصق فينا هذا الطابع إلى الأبد.

١٤٩ / ١٨٩