آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٥١

بدلا من أن نمقت أعداءنا، دعونا نشفق عليهم، وندعوا لهم بالهداية والتوفيق كي يصبحوا عناصر صالحين نستفيد منهم الخير والبناء والتشييد للمجتمع، وبدلا من أن نصبّ عليهم الاتهامات وألوان الانتقام على رؤوسهم، دعونا نشملهم بالرحمة والشفقة والعفو والمعونة.

ولا غرو فهذا ما دعا إليه وقام به نبيّنا محمّد ﴿ص﴾ منذ أربعة عشر قرنا حين كانت البشرية تعيش حياة بدائية ولا تؤمن بمثل هذه القواعد النفسيّة والاجتماعية، فهو لم يحقد أبدا على أحد من أعدائه، بل بمجرّد أن يدخل في صفوفه يرفعه إلى الدرجة التي يليق بها من القيادة.

ولمّا غادر الطائف وهو مجروح مهموم النفس مكلوم الفؤاد، لم يستفق إلاّ وهو (بقرن الثعالب) فرفع رأسه، فإذا بسحابة قد أظلته، فنظر فإذا فيها جبريل عليه السلام.

قال: فناداني، وقال: ﴿إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال﴾.ثمّ فقال له ملك الجبال:

يا محمّد إنّ الله قد بعثني إليك، وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكّةـ أبو قبيس وقعيقعان ـ فقال النبيء ﴿ص﴾:

﴿بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، ولا يشرك به شيئا﴾. فقال له ملك الجبال: أنت كما سمّاك ربّك ـ رؤوف رحيم.

وهذا سيّدنا عيسى عليه السلام، يأمر أتباعه جميعا أن يدعوا لأعدائهم بالخير والهداية والهدوء مع أنفسهم فيقول:

(أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدوكم).

وفي هذا الاتجاه نحكي واقعة وقعت لأحد الزنوج في أمريكا، وهو المدعو (لورنس جنز) وفيها أنّ بعض مبغضي الزنوج قاموا بقبض واعظ زنجي، وأحاطوا رقبته بحبل غليظ، وجرّوه مسافة ميل في الطريق، ثمّ رفعوه إلى منصّة خشبيّة ليشنقوه، وأشعلوا النيران في تلك المنصّة.

١٥١ / ١٨٩