آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

فمن هؤلاء زعيم السود في جنوب إفريقيا (نيلسون ما نديلا) الذي ضحّى بعمره كاملا في سبيل تحرير شعبه، وإنقاذه من نار التفرقة العنصريّة بين السود والبيض، وكان جزاؤه أنه ألقي في السجن حيث بقي فيه مدّة 27 سنة، قضى زهرة شبابه وراء القضبان من أجل قضيّة تحرير شعبه من الاضطهاد وإنقاذه من الفقر والحرمان.

هذه السنوات المتواصلة التي لم ير فيها النور ولا زرقة السماء حوّلته إلى أشهر سجين سياسي في القرن العشرين، وأصبح وجوده وراء القضبان يمثل ضغطا عالميا على النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وقضيّته تدرس في المحافل الدولية، وموضوع اهتمام من طرف رؤساء الدول والمنظّمات.

لم يضعف السجن روحه النضاليّة العالية، ولم يملأ قلبه حقدا على الذين قاموا ضدّه بكلّ ذلك، لأنّه عرف الطريق إلى جوهر الكرامة الإنسانيّة وما يفعله التسامح من معجزات عظام لا يستطيع العنف والانتقام أن يحقّقها.

لقد مشى في رحلته الطويلة نحو الحريّة بروح عالية، وعلى أدقّ الخيوط، وحرّر شعبه من قمع وحشي استمرّ على مدى عشرين جيلا من البشر، وبصورة فريدة من نوعها عبر التاريخ البشري الطويل، ولم تحدث في أيّ مستعمرة من المستعمرات عبر العالم، ورغم ذلك كلّه لم يشعل نيران الانتقام التي كان قادرا على أن يدعو إليها شعبه عندما تولّى الحكم، وكان بإمكانه فعل ذلك، ولكنّه ترك اولئك البيض الذين كانوا سبب محنته يمارسون أعمالهم بكلّ حريّة، ويعيشون حياتهم بكلّ هدوء.

وإلى جانب ذلك لم يستأثر بكرسيّ الحكم، بل أعلن اعتزاله ليترك الفرصة للأجيال الأخرى التي جاءت من بعده، ليرتقي هو إلى مستوى الرمز الروحي للحرّية أو الروح الكبرى، كما يطلق عليه بلغة أهل قبيلته من (الكوسا).

١٥٦ / ١٨٩