آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٥٩لأنّ أيّ سلوك يصدر من ذلك الإنسان الغاضب لا يمكن أن يوافق الصواب وهو نفسه سوف ينكره عندما يذهب عنه غضبه ويعود إليه رشده، فيندم على ذلك.
ولهذا يقول ﴿ص﴾: ﴿لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان﴾.
رواه مسلم.
وسيّدنا موسى عليه السلام نبيّ الله ورسوله لما رجع من ميقات ربّه غضبان أسفا من مخالفة قومه له، ألقى ألواح ربّه وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
قال تعالى: ﴿ولمّا رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بيسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربّكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه﴾. … سورة الأعراف ـ آية:150.
ولكن لمّا عاد موسى عليه السلام إلى حالته الطبيعيّة، وهدأ من غضبه، عاد وأخذ الألواح التي كان قد ألقاها في حالته التي كان عليها من قبل، وكأنّ الغضب وسواس قرع فكر سيّدنا موسى عليه السلام ليلقي الألواح.
قال تعالى: ﴿ولمّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح﴾.
سورة الأعراف ـ آية:154.
وإلقاء موسى للألواح يدلّ على شدّة الانفعال، فهذه الألواح هي التي تحمل كلمات ربّه القيّمة الطاهرة والعالية المكانة والقدر، وهو لا يلقيها إلاّ وقد أفقده الغضب زمام نفسه وتركيز تفكيره، وكذلك أخذه برأس أخيه يجرّه إليه، وهو أخوه ووزيره في تبليغ رسالة ربّه، وهو العبد الصالح الطيّب، كلّ هذا يدلّ على حالة سيّدنا موسى أثناء غضبه حتّى فعل ما فعل.
وفي قوله تعالى: ﴿ولمّا سكت عن موسى الغضب﴾.
يصوّر الله تعالى الغضب كأنّه كائن حيّ، فهو يشخّصه وكأنّما هو مسلّط على سيّدنا موسى يدفعه ويحرّكه، حتّى إذا سكت عنه وتركه لشأنه عاد سيّدنا موسى إلى نفسه فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له لذلك وسيطرته عليه.
وفي هذا الانفعال الشديد يقول مجاهد ـرحمه الله ـ
قال إبليس: ما أعجزني بني آدم فلن يعجزني في ثلاث:
ـ إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا.
ـ وإذا غضب قال بما لايعلم وعمل بما يندم.