آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٨إنّ هذا المبدأ العظيم وهو العفو والمسامحة قد دعا إليه الرّسل جميعا لأنّ ربّهم قد علّمهم ما فيه من فائدة عظيمة لهذا الإنسان الضعيف، سواء من الناحية الجسمية الماديّة، أو من الناحية النفسيّة الروحيّة، أو من الناحية الواقعيّة العمليّة.
وقد قام علماء كثيرون بدراسات متعدّدة وواسعة في هذا الميدان، هدفهم من ذلك معرفة مدى تأثير العفو والتسامح على صاحبه، وكذلك العكس، نتائج حبّ الانتقام والأخذ بالثأر، فتوصّلوا إلى نتائج تبيّن أن المسامحين لظالميهم والعافين عنهم يعيشون دائما في سلام مع أنفسهم ومع غيرهم، بل حتّى مع أعدائهم، أمّا الناقمين على أعدائهم فإنّهم لا يعرفون معنى الاستقرار والطمأنينة أبدا، بل يعيشون دائما في دوّامة من التفكير الناقم على ظالميهم، بل حتّى مع أنفسهم حيث يتّهمونها بأنّها ضعيفة لا تقدر على استرداد حقوقها ولا أن تأخذ بثأرها.
وهذه الحادثة وقعت لأمّ تسمّى (إيرل) وهي قضيّة تترك في نفوسنا أثرا حقيقيا عن أهمية التسامح.
إن هذه الأمّ فقدت ابنتها الوحيدة في عمل إجرامي عنيف، وبقيت مدّة ثمانية عشرة سنة وقد استحوذت عليها الرغبة في الانتقام، إلاّ أنها لم تستطع تحقيقها ـ كما كانت تعتقد ـ وذلك من أجل أنّ عقوبة الإعدام محظورة في الولاية التي حكم فيها على المجرم بالإعدام، وطوال هذه الفترة (18 سنة) بقيت مضطربة قلقة لا تستطيع العمل بهدوء، ولا تفكّر بطريقة مرضية أي بالطريقة التي كانت عليها من قبل والتي تريدها، لأنها كانت تركّز فقط على كيفية الانتقام من قاتل ابنتها، بطريقة تتمنّاها هي وحدها.