آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٠

وفي هذه الحالة يفوّض المظلوم أمره إلى الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويؤمن ويتيقّن بأنّ ربّه هو الذي قدّر له وقوع هذه الحادثة على هذه الكيفية التي وقعت عليها وفي الزمان والمكان اللّذين وقعت فيهما، ويوقن بأنّ جزاء الظالم في هذه الدنيا مهما بلغ من الشّدة والصرامة فلن يساوي مقدار الآلام التي سبّبها هذا المجرم لأهل الضحيّة خاصة ولكثير من الناس الآخرين الذين سمعوا بوقوع الجريمة في حيّهم أو بلدتهم، فقد بعث فيهم الخوف والترويع ما لا يعلم أثره إلاّ الله تعالى.

ويكفي في تخيّل أثر مثل هذه الجرائم في كثير من الناس ما قاله الله تعالى: ﴿فكأنّما قتل الناس جميعا﴾. … سورة المائدة ـ آية:34.

وبهذا الإيمان فإنّنا لا نلقي باللوم على أحد، ولا نمكّن له الفرصة ليسيطر على أفكارنا، أو أن يكون سببا لتغيير طريقة حياتنا، بل نفوّض الأمر إلى الله وحده هو الذي يفعل ما يشاء ويقضي ما يريد، ولأنّ إلقاء اللّوم على الآخرين يشعل نار الغضب في نفوسنا، فيجعلنا ننسى ونغفل عن قضاء وقدر ربّنا تعالى.

إنّ الغضب هو أحد المشاعر التي نعبّر بها عن الأفكار الغير القادرين على السيطرة عليها كبشر، فيبدو من المستحيل بالنسبة لنا ألاّ نغضب مثلما يستحيل أن تخلو السماء من الغمام.

ولذلك كان الرسول ﴿ص﴾ يوجّه أصحابه دائما ويأمرهم بعدم الغضب وطلب الانتقام، لأنه يعلم ما لذلك من الأثر السيء والعميق في النفوس البشرية.

فعندما طلب منه أحد الصحابة وصية تنفعه في حياته وتكون له نور يضيء له طريق حياته، كان جوابه ﴿ص﴾: ﴿لا تغضب﴾. ثمّ طلب منه مرارا وفي كلّ مرّة يجيبه ﴿ص﴾ بقوله: ﴿لا تغضب﴾.

قال الرجل: ففكّرت حين قال النبيء ﴿ص﴾ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشّرّ كلّه.

٣٠ / ١٨٩